مجموعات من أطفال النازحين بموريتانيا (الجزيرة نت)

أمين محمد-فصالة/الحدود الموريتانية المالية

في كل حرب هناك رابحون وخاسرون، وهناك ضحايا ومستفيدون، وفي الحرب الدائرة حاليا بين الجيش المالي والمقاتلين الطوارق دفع الأطفال الثمن باهظا تشردا وضياعا وقلقا من المجهول.

مئات الأطفال من الطوارق والعرب في عمر الزهور يعيشون اليوم واقع التشرد مأخوذين بصدمة الواقع، عاجزين عن إدراك ما جرى ويتساءلون في حيرة وذهول وبراءة عن تاريخ الرجوع إلى الأهل والوطن، وعن ساعة العودة إلى مقاعد الدرس وفصول التعليم.

وقد أصيب عشرات الأطفال بحمى والتهابات في الصدر وإسهالات وأمراض مختلفة جراء رحلة البحث عن الأمان التي بدأها آلاف الأزواديين منذ عدة أيام، ومما زاد تفاقم أوضاعهم الصحية أن الغالبية الساحقة من النازحين سلكوا طرقا وعرة خوفا من أن يترصدهم الجيش المالي، يستقلون عربات تجرها الحمير لا تقي شمسا في النهار ولا بردا في الليل.

وبينما تمكنت المصالح الصحية بمدينة فصالة على الحدود الموريتانية المالية من معالجة بعض الأطفال لا يزال الكثير منهم يعانون أمراضا وعللا متنوعة، تزيد منها الظروف "غير الإنسانية" التي يعيشونها، فبعض الأسر لا تتوفر حتى الآن على أعرشة تقيها الشمس، أو برد ليالي الشتاء، والغالبية الساحقة يقطنون في خيم متواضعة وأعرشة متهالكة جمعت من خرق وأفرشة بالية.

تداعيات نفسية وكوابيس تلاحق الأطفال
(الجزيرة نت)

أمراض
وتبقى حالة الطفل محمد ولد الحسن الذي يعاني سوء تغذية حادا وأمراضا أخرى غير معروفة من أبرز حالات المرض بين أطفال المخيم، وتقول والدته فاطمة بنت الفقي إن حالته ساءت بعد فقدانه لغذائه الخاص (لبن الماعز)، حيث أصبح الآن يأكل الأرز الأبيض، الوجبة الأكثر استخداما داخل المخيم.

ولمن نجا من تلك الأمراض تبقى ذكريات الحرب، ومعاناة رحلة اللجوء كوابيس مزعجة وخصوصا للأطفال الذين كانوا قريبين من مناطق الاشتباكات المسلحة بين مقاتلي الطوارق والجيش المالي.

وينتظر أن تبقى التداعيات النفسية وكوابيس الأيام الماضية محفورة في أذهان أولئك الصغار من أمثال الطفل جدين ولد عالي (سنة رابعة ابتدائية) الذي يقول إنه لا يزال من وقت لآخر يتوهم ويحس أنه يسمع أزيز المدافع، وأصوات إطلاق النار بسبب حالة الفزع التي عمت مدينة ليرة حيث يسكن أهله وذووه إثر دخول المقاتلين الطوارق إلى تلك المدينة.

ويتمنى ولد عالي لو عاد إلى فصله الدراسي وإلى زملائه في الدراسة ليبدؤوا من جديد مشوار التنافس في تحصيل الدرجات الأولى في السنة الرابعة تماما كما كان عليه الحال خلال السنة الماضية.

أما زميله خليفة ولد التراد فيتمنى أولا أن يلتحق به أبوه الذي بقي في مالي دون أن يعرف بالضبط لماذا بقي، ولماذا لم يأت مع أمه وبقية العائلة. بطبيعة الحال لا يدرك الطفل أن هناك حربا تدور، ولا يقدر "حجم الخطر الذي كان يتربص بالأسرة" حسب ما يقول ذووه.

ومع ذلك فإن ولد التراد لا يتمنى العودة إلى مالي عكسا لسابقه، ويرجو أن يبقى في موريتانيا بعد التحاق أبيه ببقية الأسرة، ويعيد ذلك إلى أن "الماليين قتلة"، وعند سؤاله عن سبب توجيهه تلك التهمة تبين أنه فقط سمع الأمر عند أسرته وأهله دون أن يعي بالضبط لماذا يوجهون إليهم تلك التهم.

طفلة تطحن بعض الحبوب التي تقتات منها أسرتها (الجزيرة نت)

فراغ وضياع
وفي المخيم الجديد الذي أقامته السلطات الموريتانية شرقي مدينة فصالة القريبة من الحدود مع مالي لا شغل لمئات الأطفال سوى التجمع هنا وهناك والتعلق بكل قادم، ومرافقة كل ضيف والتجمع عند كل شجار، فلا فصول دراسية ولا كتاتيب قرآنية، ولا حتى ساحات لعب وترفيه.

وحتى معلم الأطفال ومدرسهم القرآن يب ولد عثمان يخشى أن لا يستطيع مواصلة دوره في ظل حياة النزوح الجديدة بسبب انشغاله بتأمين لقمة عيش لأطفاله.

كما يخشى عدد من أهالي الأطفال أن يتحولوا إلى متسولين أو منحرفين أو حتى مجرمين، خصوصا مع حالة التفكك والتشرد التي تعانيها أسرهم حاليا، فأغلب آبائهم بقي بالشمال المالي مقاتلا أو باحثا عن وسيلة لنقل أملاكه ومواشيه إلى مأواه الجديد، أما الأمهات فلهن من مشاكل التدبير الأسري والبحث عن القوت ما يشغلهن عن الأطفال وشؤونهم.

لا شيء هنا خاص بالصغار، فهم يأكلون كما يأكل الكبار، ويشربون مما يشربون، ويشاركونهم في الواجبات والمسؤوليات، فقط لا يدركون ولا يفهمون لماذا وجدوا هنا، ولماذا هم وحدهم معنيون بتلك الحرب دون بقية زملائهم الماليين في صفوف الدراسة وساحات اللعب.

أسرة كبيرة محشورة في خيمة صغيرة (الجزيرة نت)  

شكاوى
وليس الأطفال "الكبار"، أحسن حالا من الأطفال "الصغار" أو الحديثي الولادة سواء منهم الذين ولدوا في المخيم خلال الأيام الماضية أو الذين شاءت لهم الأقدار أن يولدوا في رحلة البحث عن ملاذ آمن.

وتشتكي أمهات هؤلاء الأطفال من عدم استفادتهم من أي تلقيحات حتى الآن، ومن عدم وجود ألبان الأطفال التي هي ضرورية للنمو والتربية، وخصوصا في ظل انعدام ألبان الماعز التي تعود سكان المناطق التي قدم منها النازحون على سقي الصغار إياها.

ولئن كان الكبار يستطيعون دفع ثمن المواقف السياسية التي يتبناها ذووهم، وتحمل أعباء حياة اللجوء القاسية فإن الصغار أضعف وأوهن من أن يتحملوا شيئا من ذلك القبيل.

المصدر : الجزيرة