من مراسم توقيع اتفاق الدوحة (الفرنسية)

عدي جوني

ليست هي المرة الأولى التي يتوصل فيها طرفا الانقسام الفلسطيني الداخلي لاتفاق مصالحة، فهناك اتفاق مكة وبعده اتفاق القاهرة وحوارات غزة ليصبح السؤال عما الذي يجعل اتفاق الدوحة أكثر قدرة على النجاح من سابقيه.

لا يختلف اثنان على أن التركيبة الإيديولوجية والتفكير السياسي لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) ونظيرتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على طرفي نقيض وبشكل لا يقبل التلاقي عند الكثير من الأمور.

فحركة فتح قادمة من اليسار الثوري الذي خرج من رحم النضال المسلح بقيادة ياسر عرفات من خلال مفهوم القومية العربية الذي انتهى مفعوله ببيان البندقية الشهير وصولا إلى اتفاق أوسلو.

أما حماس فهي ابنة "التفكير الجهادي الإسلامي" الرافض للبراغماتية السياسية فيما يتعلق بثوابت أساسية، أولها "فلسطين من النهر إلى البحر" المتكئة على النص القرآني المقدس وليس على التكتيك السياسي.

أمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني يتوسط عباس (يسار) ومشعل (الفرنسية)
أسير المحبسين
لذلك ما يجعل إعلان الدوحة أسير المحبسين (التشاؤم المفرط والتفاؤل الحذر) أن الفريقين تبادلا من الاتهامات خلال مسيرة الانقسام ما أعطى دليلا على أن أي اتفاق مصالحة مرتبط أولا بتفسير النص قبل تغيير السياسات، أي وبعبارة أخرى الشيطان يكمن في التفاصيل.

هناك قراءتان رئيسيتان لإعلان الدوحة، الأولى -كما يرى مراقبون مطلعون على تفاصيل الاتفاق- أن محمود عباس وخالد مشعل قدما تنازلات كبيرة للوصول إلى هذا الاتفاق بسبب متغيرات إقليمية لم تعد تسمح بنفس الهامش السابق من المناورة للطرفين.

فثورة 25 يناير في مصر أبعدت عن الاتفاق نظاما طالما عرف بتحيزه للرئيس عباس الذي استفاد من الضغط المصري ضد حماس، ومعبر رفح أكبر دليل على ذلك.

بالمقابل، لم يعد بمقدور حماس التعويل على الدور السوري في الوقت الذي تنشغل دمشق بهمومها الداخلية.

الدوافع والنوايا
أما القراءة الثانية فتقول إن حماس قبلت بعباس رئيسا لحكومة انتقالية تشرف على الانتخابات كي تتجنب وجود سلام فياض، ووافقت على حكومة "تكنوقراط" بعيدة عن المحاصّة الفصائلية من أجل أن تتجنب الضغوط الدولية.

من مسيرة سابقة في رام الله تطالب بإتمام المصالحة الفسطينية (الجزيرة نت-أرشيف)
على الطرف الآخر، قبلت فتح بالاتفاق وشراكة حماس السياسية لأنها أولا تريد أن تثبت داخليا أنها جاهزة للمصالحة وقادرة على تطبيقها واستعادة قاعدتها الشعبية، لا سيما وأن تهديدات إسرائيل بالحصار ستبقى قائمة سواء تم الاتفاق أو لم يتم.

والأهم أن الطرفين قبلا بالاتفاق لأنهما يدركان أن تغييرا جوهريا على مواقفهما يبدو بعيد المنال، الأمر الذي يجعل من الاتفاق على الحدود الدنيا من التلاقي (الحكومة والانتخابات) لا يعد خيانة للمبدأ السياسي المرتبط بقضية الصراع مع الاحتلال، وبالتالي نزع فتيل الانقسام القابل للانفجار في أي لحظة في ظروف أملتها تطورات الربيع العربي.

يضاف إلى ذلك أن الوساطة القطرية -التي تعيش دبلوماسيتها عصرا جديدا بفعل المتغيرات الإقليمية- كانت قادرة على تدوير الزوايا وتقديم الضمانات القابلة للترويج إقليميا ودوليا من أجل إعطاء الاتفاق فسحة كبيرة من النجاح.

المستقبل
وبما أن الاتفاق لا يعتمد في نجاحه على النوايا بل على العوامل الدولية والإقليمية، فإن مراقبين يرون أن الاتفاق سيواجه نفس العقبات التي واجهتها الاتفاقات السابقة.

فالتهديدات الإسرائيلية بالحصار ستبقى قائمة، لكن هذه المرة بوجود طرف مصري مختلف عن سابقه في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك.

وينسحب الأمر نفسه على شروط الرباعية الدولية التي لن تتغير بالنسبة لنبذ العنف وما يوصف بالإرهاب واستئناف المفاوضات، لكن وفي نفس الوقت بات معروفا من هو الطرف المعرقل لاستئناف المفاوضات وهو ما يعطي السلطة الفلسطينية -من خلال إعلان الدوحة- ورقة سياسية تلوح بها في وجه المجتمع الدولي.

وفي ظل هذه القراءات المختلفة، يعتقد مراقبون أن الاتفاق مرشح للصمود والنجاح إلا إذا أراد مجنون ما أن يضغط الزناد لإطلاق النار عليه، والمجنون لا يحتاج لاستئذان أحد أصلا لممارسة حماقاته.

المصدر : الجزيرة