نشطاء سوريا لم يسلموا من القصف العنيف الذي تتعرض له حمص (رويترز)

لا توجد أرقام تشير إلى أعداد الناشطين السوريين المطلوبين من قبل أجهزة الأمن والذين هجروا بيوتهم وأهاليهم منذ شهور، بعضهم تمكن من اجتياز معابر غير شرعية وفروا إلى دول الجوار، وآخرون كثر ما زالوا في بلدهم الذي تحول إلى معتقل كبير، كما يقول بعضهم.

وتبقى تلاحق هؤلاء هواجس انعدام الأمان والاستقرار لمجرد أنهم أسهموا في تنظيم الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد ودعم الثورة، بعض هؤلاء تحدثوا للجزيرة نت عن تجربتهم بعيدا عن بيوتهم.

أسامة ناشط متخف منذ أربعة شهور، كان قبلها قد اعتقل مرتين خلال الثورة ورزق بطفلته الأولى أثناء احتجازه، قال إنه كان يسكن مع مجموعة من الشباب الناشطين والمطلوبين ومنهم غياث مطر، وإنهم كانوا يغيرون مكانهم كلما اعتقل ناشط يعرفهم.

وأضاف أسامة أن قوات الأمن قد دهمت بيته عدة مرات بحثا عنه، ووصل الأمر إلى تهديد جدي باختطاف الطفلة وقتل زوجته، وقال "انضمت زوجتي مع طفلتي إلى قائمة الملاحقين والمتخفين، خاصة أن ستة أطفال استشهدوا ضمن حصيلة ذلك اليوم الذي تلقت فيه التهديد". وذكر أنهم أطلقوا على الطفلة اسم "إيمار" وتعني الحرية.

الناشط أحمد أبو الخير: لم ألتق بعائلتي منذ اقتحام طرطوس في مايو/ أيار الماضي، ولم أنم في منزلي، اضطررنا للنوم في الأحراش والبساتين، ثم توارينا في بيوت أصدقائنا وحتى بيوت أناس لا نعرفهم
"
متوارون
أما أحمد أبو الخير فكان من أوائل المدونين الذين كتبوا من أجل الثورة السورية وتم اعتقاله بداية الاحتجاجات، ثم اضطر إلى التواري ككل الناشطين بمدينته بانياس بمحافظة طرطوس بعد اقتحامها من قبل الجيش في مايو/ أيار الماضي.

وقال أحمد للجزيرة نت "منذ ذلك الوقت لم ألتق بعائلتي ولم أنم في منزلي، اضطررنا للنوم في الأحراش والبساتين، ثم توارينا في بيوت أصدقائنا وحتى بيوت أناس لا نعرفهم".

وأضاف أنه يعيش في محافظة أخرى ويغير مكان إقامته كل فترة، كذلك أشقاؤه وشقيقاته كل منهم في مكان مختلف ولا يكشفون عن أماكنهم حتى للأقارب، وقال إنه يصعب العثور على مخبأ يتوافر فيه الاتصال بشبكة الإنترنت.

وتحدث عن تواصل الضغط على والده إذ يتكرر استدعاؤه من طرف أجهزة الأمن وكذلك دهم البيت مرات عدة، وقام رجال الأمن بمصادرة كل محتوياته من أوراق ووثائق ومعدات كهربائية ابتداء من أجهزة الحاسوب وصولا إلى ماكينة الحلاقة، وأضاف أحمد "لهذا الدهم أغراض لصوصية الأمر الذي يحدث مرارا في منازل أخرى".

قبل بدء الثورة كان أحمد يعمل في وظيفتين، لكن تكرار اعتقاله والتهديد المتواصل حتم عليه ترك عمله، وكذلك إخوته وكل من يعرفهم من ناشطين أصبحوا دون عمل، وقال "صرنا نعتمد أنا وإخوتي على راتب والدي في تدبر أمورنا ونجد صعوبة بالغة في استلام المال بطريقة آمنة".

الأمر ذاته ينطبق على موسى أحد الناشطين المتوارين من داريا، فقد أكد أن الجانب المادي أحد أهم المشاكل التي تواجه الملاحقين، فإذا لم يستطع أهله مساعدته فيجب أن يعتمد على أحد أصدقائه المتوارين مثله، والبقاء معه في مكان سكنه الأمر الذي  يتحول إلى ضغط إضافي.

سوريون فروا إلى تركيا هربا من العنف
عمل بالخفاء
وقال موسى إن الشباب الأكثر فعالية وقدرة على تحريك الشارع والحشد للمظاهرات السلمية مطلوبون للأجهزة الأمنية بالدرجة الأولى في محاولة لشل الحراك، بعضهم تم اعتقاله ولم يفرج عنه مثل يحيى الشربجي، ومن لم يقع في قبضتهم عليه أن يتوارى، وهذا من شأنه أن يفصلهم عن واقع مدنهم والحد من قدرتهم على التأثير.

وعن نفسه كناشط متخف قال موسى إنه يقضي بعض الوقت خارج مدينته، ويتردد عليها بشكل متواصل، إلا أنه يبقى حذرا من الحواجز العسكرية، وخاصة الحواجز الفجائية التي ينصبها الأمن في شوارع غير متوقعة.

وتابع أن نشاطه الحالي يتركز في التنظيم بتنسيقية داريا، وتولي الجانب الإعلامي فيها، بالإضافة إلى العمل الإغاثي في تقديم الدعم للعائلات المنكوبة وأهالي المعتقلين ريثما يتم الإفراج عن معيليهم، في حين أنه يشارك في المظاهرات الكبيرة ولا يتمكن من الوجود في المظاهرات اليومية.

وأوضح أن العيش بعيدا عن البيت والأهل وعدم الاستقرار في مكان واحد من المصاعب التي تتعبه، إلى جانب القلق المتواصل من الاعتقال، وقال موسى  إنه يتغلب على قلقه بالعمل والنشاط المتواصل، لتتجدد تلك المخاوف كلما أراد العودة إلى مدينته.

هؤلاء مثل سوريين كثر رهنوا حاضرهم ومستقبلهم بالثورة في بلدهم، وأحرقوا كل سفن الرجوع إلى عهد الصمت المطبق، حتى ولو كان الثمن حياة المخاطر المتواصلة التي يعيشونها.

المصدر : الجزيرة