روسيا استعملت الفيتو للمرة الثانية خلال أربعة أشهر لإجهاض قرار ضد سوريا

أحمد السباعي

عندما تضرب موسكو بعرض الحائط حضور الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي ورئيس الوزراء وزير خارجية قطر حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني جلسة مجلس الأمن، ولا تكترث للمحاولات الغربية الحثيثة لإقناعها بالسير مع القرار العربي الغربي بشأن سوريا، وترفع سيف الفيتو للمرة الثانية خلال أربعة أشهر لحماية النظام السوري، فإن الأمر يستدعي الخوض في المياه الروسية المتجمدة لقراءة الموقف.

وخاصة أن الروس ناقضوا توقعات كثيرين بأن يؤدي طلب الجامعة العربية تدويل الأزمة السورية إلى إحراج الدب الروسي وجعله -إن لم يوافق على القرار- يمتنع عن التصويت، في نسخة مكررة لموقفه حين تخلى عن العقيد الليبي الراحل معمر القذافي حليفه وأحد أفضل زبائنه في شراء الأسلحة، وساهم في إسقاطه عبر امتناعه عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 1973.

ولكن هنا بيت القصيد كما يقول بعض الخبراء الروس، فموسكو بزعامة فلاديمير بوتين القادم على حصان أبيض إلى الكرملين والذي شبه القرار بشأن ليبيا بالدعوة إلى الحملات الصليبية في العصور الوسطى، لن تكرر الخطأ مجددا، خاصة أن حكام ليبيا الجدد ألغوا عقود التسليح واتفاقات في مجالات أخرى وقعها القذافي مع موسكو.. أي بكلمات أخرى، الروس خسروا نفوذهم في ليبيا.

غير أن بعض المحللين يذهبون بعيدا ليقولوا إن الأمر ليس حماية للأسد وإنما هي "حرب باردة" جديدة ساحتها هذه المرة سوريا وسلاحها بشار الأسد ونظامه، ناهيك عن رغبة بوتين في إظهار نفسه كمتحد للمساعي الغربية لفرض التغيير السياسي على دول ذات سيادة في مناطق تتنافس فيها القوى الكبرى.

موسكو ترجو إنهاء متفقا عليه نوعا ما لحكم الأسد، في عملية تحول دقيقة لنظام جديد، منفصلة عن بشار لكنها ترتكز إلى الموالين لعائلة الأسد

"حطام النظام"
وعن هذا قال شاشانك جوشي من المعهد الملكي للدراسات الدفاعية والأمنية البريطاني إن الهدف الأساسي لروسيا هو إنقاذ شيء من "حطام" نظام الأسد، واحتواء النفوذ الغربي في أهم حليف عربي لها.

وأضاف أنه بينما يواجه الأسد ضغوطا متزايدة من الغرب والعرب ومعارضيه في الداخل، فإن أفضل ما يمكن لموسكو أن ترجوه في حفظ نفوذها هو "إنهاء متفق عليه نوعا ما" لحكم الأسد، في عملية تحول دقيقة لنظام جديد منفصلة عن بشار، لكنها ترتكز إلى الموالين لعائلة الأسد.

وفي هذا الإطار يضع المحلل العسكري المقيم في موسكو ألكسندر غولتر الفيتو الروسي، ويضيف أن موسكو ستبذل قصارى جهدها لحماية مصالحها الجيوإستراتيجية ومنع الغرب من فرض إرادته في مناطق لروسيا فيها مصالح اقتصادية.

غير أنه من الناحية العملية -بحسب غولتر- فإن هذه المساعي ربما تحدث أثرا عكسيا، لأن الكرملين مصرّ على صد المساعي المدعومة من الغرب لتغيير النظام "حتى عندما يتعارض هذا بوضوح مع المصالح الروسية". وأضاف أنه لو أيدت موسكو القرار العربي الغربي لأمكنها الإبقاء على قاعدتها بل وبعض عقودها في سوريا بعد الأسد.

من جهته يقول رئيس معهد التقديرات الإستراتيجية المستقل في موسكو ألكسندر كونوفالوف إن روسيا تخشى أن تخرج الأحداث في سوريا عن السيطرة.

ويضيف "لدينا مصالح اقتصادية عديدة على وشك أن نخسرها، لكن ليس ذلك هو الشيء المهم.. إن فقدان النفوذ السياسي هو الأهم، ذلك أن سوريا هي النقطة الأخيرة في الشرق الأوسط التي تلعب فيها روسيا دورا كبيرا".

ولهذا تحديدا يشد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ومدير المخابرات ميخائيل فرادكوف الرحال إلى دمشق الثلاثاء تنفيذا لتعهدها الأسبوع الماضي بالسعي إلى إنهاء سفك الدماء عبر التفاوض.

سوابق فاشلة
وعن الزيارة يقول رئيس مركز أبحاث كارنيغي في موسكو ديمتري ترينين إنه كان يتعين على لافروف أن يزور دمشق قبل شهور، وأن يقوم بجولات مكوكية، إضافة إلى إشراك الدول المجاورة والعرب والأكراد وكذلك الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن.

في المقابل يوضح نيكولاس فان دام -وهو مؤرخ هولندي للسياسة السورية- أن الروس هم بين عدد قليل ممن بقوا يجرون حوارا مع السوريين وهم يأخذون النظام على محمل الجد.

وأضاف أن الأسد سيكون أكثر استعدادا للتنحي لدى التعامل مع طرف يأخذه على محمل الجد أكثر مما سيكون لدى التعامل مع شخص ينتقده فحسب.

وتحمل مهمة لافروف وفرادكوف أصداء من مهام ماضية قام بها مسؤولون سوفيات سابقون وروس لحل مشكلات زعماء أجانب يتعرضون لضغوط أو هجوم من واشنطن، لكنها لم تؤت أكلها. بينها زيارة يفغيني بريماكوف الذي كان مديرا للمخابرات ووزيرا للخارجية ورئيسا للوزراء عندما زار الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في بغداد عام 1991 خلال عملية عاصفة الصحراء وفي عام 2003 بتكليف من بوتين قبل غزو العراق.

ورغم كل هذا لا يبدو أن الزعماء الروس مهتمون بالثمن السياسي الذي سيدفعونه مقابل موقفهم الداعم لدمشق، بل على العكس فهم يعولون على تحقيق مكاسب داخلية وخارجية من هذا الدعم، وخصوصا بوتين الذي تفوح من حملته الانتخابية رائحة المعاداة لواشنطن والغرب.

ويهون بعض المحللين من تداعيات الفيتو الروسي الصيني المزدوج -الذي أغضب بعض العرب والغرب والمعارضة- على مصالح موسكو في الشرق الأوسط، ويضيفون أن دول الخليج التي تقود الجهود ضد سوريا تنظر لموسكو بطريقة غير ودية، إضافة إلى أن الأخيرة لا تملك مصالح هناك.

الحصان الخطأ
أما الباحث في مركز الدراسات العربية والإسلامية في موسكو أليكسي سارابييف فيؤكد أن روسيا بوقوفها ضد التدخل الدولي العسكري في سوريا قد يكون مرحبا بها من قبل شعوب بعض البلدان العربية كعُمان واليمن والسودان والجزائر، ورأي الشارع مهم جدا بالنسبة لموسكو.

ويلفت محللون روس آخرون إلى القول إن تحرك روسيا تجاه المعارضة السورية بات متأخرا جدا، ولهذا فإنهم يستميتون في الدفاع عن الأسد في محاولة لإطالة عمر النظام لأنه الخيار الوحيد أمامهم.

وفي السياق قال جوشي إن روسيا "راهنت على الحصان الخطأ"، وأضاف أنه إذا تجنبت سوريا حربا أهلية فإن التحالفات الدبلوماسية لدمشق ستبتعد عن موسكو وبكين وطهران وتتجه نحو الخليج العربي وربما الغرب.

المصدر : الجزيرة + وكالات