قصف الأحياء السكنية في حمص يهدف إلى تخويف باقي المناطق من نفس المصير (الفرنسية)

أشرف أصلان

بعد أن تأكد نظام الرئيس السوري بشار الأسد من عجز مجلس الأمن الدولي عن التحرك بشكل جدي لوقف إراقة الدماء، سرّع بشكل لافت من عملياته، حيث شهدت عدة مناطق -لعل أبرزها حمص وحماة- مجازر حقيقية راح ضحيتها المئات، في مشهد لأرض تحترق، تبدو ورقة أخيرة قبل النهاية.

ويطرح هذا التسارع في وتيرة القتل تساؤلات عن احتمال وصول النظام إلى مرحلة اليأس، حيث بدا مع القصف الوحشي لحمص وكأنه يقاتل في معركته الأخيرة، بينما الموقف الدولي مصاب بشرخ واضح بعد الفيتو الروسي الصيني.

وقد لجأت السلطات السورية إلى استخدام كل ما لديها من أسلحة، بداية من الاعتقالات ومرورا بقصف المدن والأحياء السكنية ووصولا إلى مذابح جماعية ربما قُصد بها الترويع.

في هذا الصدد، يقول المتحدث باسم لجان التنسيق المحلية محمد العبد الله للجزيرة إن نظام الأسد يمعن في ضرب حمص لأنها عاصمة الثورة ويسعى لترهيب وإخافة باقي المناطق من نفس المصير. كما يسعى الأسد، في رأي العبد الله، لحسم الموقف على الأرض بسرعة قبل أن يضيق الخناق الدولي عليه.

يدرك النظام السوري استحالة التدخل العسكري الدولي المباشر في أراضيه نظرا لعوامل جغرافية لافتة أهمها الجوار مع إسرائيل، والخوف من اندلاع حرب إقليمية واسعة تهدد المنطقة بأكملها

في الوقت نفسه راح نظام الرئيس بشار الأسد يسند ظهره إلى الفيتو المزدوج في مجلس الأمن من جانب روسيا والصين ضد مشروع القرار العربي الغربي، الذي بدا وكأنه ضوء أخضر لمزيد من القتل وسفك الدماء.

فقد استبق النظام السوري وصول الوفد الروسي بمزيد من القتل في حمص، ربما لتأكده من توفر الغطاء السياسي من جانب موسكو، كما يقول المتحدث باسم لجان التنسيق المحلية.

ويدرك النظام السوري استحالة التدخل العسكري الدولي المباشر في أراضيه نظرا لعوامل جغرافية لافتة، أهمها الجوار مع إسرائيل، والخوف من اندلاع حرب إقليمية واسعة تهدد المنطقة بأكملها.

ورغم ذلك يبقى خيار التدخل الدولي قائما ولو بشكل غير مباشر في مراحل لاحقة من خلال تقديم دعم عسكري للمعارضة وتسهيلات ربما تأتي عن طريق حدود تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي.

كما يمكن في حال تطور الأمور لصالح المعارضة على الأرض اللجوء لضربات نوعية تسهل عمليات الجيش السوري الحر وتلحق قدرا من الهزيمة النفسية بنظام الأسد.

ويلعب النظام السوري في الوقت نفسه على الموقف الدولي غير الحاسم الذي تأكد بالفيتو الروسي الصيني في مجلس الأمن، وتردد العديد من الدول العربية في اتخاذ موقف واضح من دعم المعارضة عسكريا.

أما الورقة الإيرانية فتمثل دعما آخر للنظام السوري الذي يدرك أيضا حقيقة المخاوف الغربية والعربية من الحل العسكري وإمكانية تدحرج كرة اللهب لتشمل إيران والخليج ومضيق هرمز حيث تمر أغلب ناقلات النفط العالمية، فضلا عن حزب الله في جنوب لبنان وحدود إسرائيل الشمالية.

الحسم الداخلي
لهذا يبدو حسم الوضع في سوريا موكولا بشكل أساسي إلى التطورات الجارية على الأرض في الداخل، وقدرة الجيش السوري الحر على كسب مزيد من المواقع والرهان على انشقاقات إضافية بالجيش النظامي.

إذ يقول العميد الركن بالجيش السوري الحر مصطفى الشيخ للجزيرة إن دخول الجيش السوري النظامي في هذه المعركة القذرة بحمص محكوم عليه بالفشل ويشير إلى تدني معنويات جنود النظام بسبب تقييد حركتهم خوفا من الانشقاق.

الغطاء الروسي الصيني لن يستمر طويلا في مواجهة الضغوط الغربية. كما أن تطور عمليات الجيش السوري الحر واقتراب المعارك من معاقل النظام في دمشق قد يدفعان موسكو وبكين إلى التخلي عن حليفهما الأسد

وفي هذا السياق، يؤكد مصطفى الشيخ للجزيرة أن نسبة الجاهزية لدى الجيش النظامي لا تتعدى 30% بسبب الانشقاقات في صفوفه.

وهنا لم يكن مستغربا أن يؤكد الجيش السوري الحر وكذلك المجلس الوطني أنهما سيتحركان في الفترة المقبلة بعيدا عن مجلس الأمن.

وقد بعثت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون برسالة في هذا الاتجاه بينما كانت تعرب عن خيبة أمل بلادها بشأن الفيتو، حسبما ذكرت صحيفة غارديان البريطانية.

وتشير الصحيفة إلى تكهنات بشأن إمكانية تقديم دول خليجية مساعدات عسكرية للمعارضة المسلحة على أراضي سوريا التي قد تصبح في هذه الحالة ساحة مواجهة خليجية مع إيران، الحليف الأكبر والأبرز لنظام الأسد.

في مقابل ذلك يلعب النظام السوري على عامل الوقت وإطالة أمد الأزمة أملا في إصابة معارضيه بالإرهاق ودفع المحتجين إلى الشعور باليأس، في ضوء عمليات خنق مستمرة تستهدف التضييق على المناطق الثائرة معيشيا.

كما يعزف النظام أحيانا أخرى على وتر التخويف من الطائفية والحرب الأهلية، مذكرا بالطبيعة السكانية التي تحوي خليطا واضحا بين سنة وعلويين ومسيحيين ودروز وغيرهم.

أوراق تحترق
وتشير التطورات الجارية على الأرض إلى احتراق أوراق النظام السوري الواحدة تلو الأخرى، فالغطاء الروسي الصيني يبدو أنه لن يستمر طويلا في مواجهة الضغوط الغربية. فهذه المعارضة الروسية الصينية -مثلا- لم تمنع في السابق تدخلا دوليا مباشرا في العراق وليبيا خارج نطاق مجلس الأمن في كثير من الأحيان.

ثم إن تطور عمليات الجيش السوري الحر واقتراب المعارك من معاقل النظام في دمشق قد يدفعان موسكو وبكين إلى التخلي عن حليفهما الأسد في مرحلة لاحقة.

أما إيران التي قد تجد نفسها وحيدة في مواجهة العاصفة فربما تغلب مصلحتها في النهاية، حسب مسار أزمتها مع الغرب المتعلقة بالبرنامج النووي، فتقبل في النهاية بمواءمة سياسية تبعدها خارج المعركة وتفقد الأسد أحد أهم أوراقه.

المصدر : الجزيرة