الجزائر شهدت احتجاجات قصيرة الأمد بعد استجابة الدولة لمطالب إصلاحية (الجزيرة)
قبل عدة أيام منعت السلطات الجزائرية المعارضة السابقة والشخصية البارزة بالثورة التونسية سهام بن سدرين من الدخول ولم يسمح لها بدخول البلاد إلا بعد احتجاج نشطاء مدافعين عن حقوق الإنسان، وذلك في اختبار رمزي لمدى استعداد الجزائر لفتح الباب أمام ما يعرف بالربيع العربي.

ولا تزال الجزائر هي الوحيدة بين جيرانها بشمال أفريقيا التي لم تمسها انتفاضات أطاحت العام الماضي بزعماء تونس ومصر وليبيا وأيضا اليمن، وكانت مصدر إلهام لانتفاضة تشهدها سوريا حاليا وخلقت حراكا سياسيا واجتماعيا غير مسبوق بالمغرب.

وتتمتع الجزائر بعائدات من صادرات النفط جعلتها بالمركز الـ14 بين الدول صاحبة أكبر احتياطيات أجنبية مما ساعدها على زيادة الرواتب وصرف المنح ودعم السلع، الأمر الذي وأد احتجاجات قصيرة طالبت بالإصلاح.

ومازال حكام البلاد يديرونها بنفس الطريقة التي تدار بها منذ الاستقلال عن فرنسا قبل خمسين عاما حيث يوجد جهاز حكومي ضخم تدعمه قوات أمن قوية، أما الانتخابات فيهيمن عليها حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم وحلفاؤه.

ويبدو هذا متناقضا مع أجواء المرحلة، غير أن الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها بالعاشر من مايو/ أيار المقبل فيمكن أن تمثل نقطة تحول، في ظل تزايد الضغوط داخل الجزائر وخارجها لضمان إجراء انتخابات نزيهة، ويتوقع أن تمنح الإسلاميين نصيبا أكبر بالسلطة على غرار دول أخرى شرق أوسطية.

ريكاردو فابياني: أغلبية إسلامية بالبرلمان الجزائري ستثير على الأرجح رد فعل من النخبة العسكرية، وقوات الأمن العلمانية مستعدة للتدخل لضمان مصالحها

سيناريو وعوائق
ويتكهن معظم المراقبين المستقلين بأن تتكيف المؤسسة الحاكمة مع الظروف الجديدة مثلما فعلت على مدى عقود حين كانت تظهر تحديات لهيمنتها على السلطة.

ويرى مراقبون أن الجزائر ستتبع على الأرجح نموذج المغرب حيث رضخت النخبة الحاكمة للضغوط، وسمحت لحزب اسلامي معتدل برئاسة حكومة جديدة لكنها احتفظت بمقاليد السلطة الحقيقية.

وتفضل القوى الغربية هذا السيناريو، وهي تعتمد على مساعدة الجزائر أكبر قوة عسكرية بالمنطقة في احتواء تهديد تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي بالطرف الجنوبي من الصحراء الكبرى. كما تخشى من أن يعطل أي اضطراب تدفق الغاز الطبيعي نحو أوروبا عبر خطوط الأنابيب تحت البحر المتوسط.

ومن بين العوامل التي قد تعرقل هذا الانتقال المحكوم لديمقراطية محدودة تاريخ الجزائر الدموي، فبعد أن ألغت حكومة مدعومة من الجيش انتخابات ديمقراطية عام 1992 خشية أن يسيطر الإسلاميون اندلع صراع بين قوات الأمن والإسلاميين أسفر عن سقوط مائتي ألف قتيل تقريبا.

وتراجعت أعمال العنف المرتبطة بتنظيم القاعدة، لكن هذا الجناح من التنظيم لايزال يقوم بعمليات خطف وينصب كمائن وينفذ تفجيرات انتحارية من حين لآخر، وقتل جندي شاب هذا الشهر بانفجار عبوة ناسفة يدوية الصنع.

ولا يتوقع كثيرون العودة إلى "السنوات السوداء" كما يطلق عليها بالجزائر لأن الإسلاميين أصبحوا في نظر البعض أضعف كثيرا، بينما باتت الدولة أكثر ثراء وقوة، لكن لم يتضح كيف سيكون رد فعل قوات الأمن إذا حشد الإسلاميون تأييدا ضخما بالانتخابات وطالبوا بنصيب في السلطة الحقيقية.

وقال ريكاردو فابياني، محلل شؤون شمال أفريقيا بمجموعة يوراسيا، إن "أغلبية إسلامية في البرلمان ستثير على الأرجح رد فعل من النخبة العسكرية، وقوات الأمن العلمانية مستعدة للتدخل لضمان مصالحها".
 
الانتخابات والتغيير

عناصر الحرس البلدي الجزائري بدورهم بادروا بالاحتجاج للمطالبة بحقوقهم (الجزيرة-أرشيف)
في غضون ذلك تتركز التحليلات على الانتخابات التشريعية القادمة، التي حصل نحو عشرين حزبا على الضوء الأخضر لخوضها بإشراف لجنة قضائية على فرز الأصوات، تحل محل مسؤولي وزارة الداخلية، ووجهت الدعوة للاتحاد الأوروبي ليرسل مراقبين للمرة الأولى.

ولا يعتقد الكثير من الجزائريين أن الانتخابات البرلمانية ستكون الشرارة التي تطلق حراكا، ويقولون إن الصلاحيات التي يخولها الدستور للبرلمان محدودة، وفي كل الاحوال يتعامل معظم الناس مع النظام السياسي بلامبالاة إذ لا يشعرون بأن له صلة حقيقية بحياتهم.

واحتوت السلطات هذا السخط بإنفاق مبالغ كبيرة، على سبيل المثال تم تعيين آلاف الشبان العاطلين بشركات حكومية على الرغم من أنه ليس لديها عمل لهم.

ويقول عبده بن جودة، وهو أحد قيادات حركة الشباب المستقل من أجل التغيير، إنه "لا توجد محافظة لا تشهد احتجاجات يومية" وذلك يحمل رسالة سياسية مفادها أن "الناس يقولون ضقنا ذرعا بالإدارة السيئة للبلاد، إذا لم تتحرك السلطات الآن نحو الديمقراطية سيكون قد فات الأوان".

المصدر : رويترز