الناس في حلب يقفون في طوابير طويلة طيلة اليوم طلبا للخبز والموقف يتطور أحيانا لعراك وفوضى (الجزيرة نت)
حسين جلعاد-حلب

تعيش المناطق السورية التي باتت خارج سيطرة نظام الرئيس بشار الأسد حالة حصار وتجويع، كما أن الكهرباء والاتصالات الهاتفية مقطوعة طيلة الوقت، وبموازاة كل ذلك يستمر الجيش النظامي في قصف المدن والقرى بشكل دوري.
 
ففي حلب العاصمة الاقتصادية يقف الناس في طوابير طويلة طيلة اليوم طلبا للخبز، وقد لا يجدونه، وهو ما يتسبب في حالات من العراك والفوضى بين الناس. كما أن الكهرباء والماء والاتصالات مقطوعة منذ أيام.

ويشيع توتر كبير بين المواطنين خصوصا أن المعركة قد تطول، فقد طالب خطيب أحد المساجد بحي الشعار الناس بالصبر والتعاضد، وقال في خطبة الجمعة إن الحصار والتجويع هما مقدمة اجتياح عسكري جديد للمدينة يعد له أركان جيش الرئيس بشار الأسد.

وأكد خطيب المسجد أن معلومات وصلته تفيد بأن قائد الأمن العسكري بدير الزور اللواء جامع جامع قد حضر إلى المدينة وأنه وعد الأسد "بتنظيف حلب خلال أسبوع".

لكن تهديدات هذا القائد العسكري -المطلوب دوليا في قضية مقتل رفيق الحريري- سرعان ما نسيت، فالناس منهمكون في البحث عن الخبز والوقود والماء، علاوة على ارتفاع أسعار هذه المواد إلى أربعة أضعاف سعرها الحقيقي، بل عشرة أضعاف كما في غاز الطبخ.

السوريون عادوا للتدفئة بالحطب بسبب شح الوقود وارتفاع أسعاره (الجزيرة نت)

مناطق الريف
أما في ريفي إدلب وحلب فالصورة ليست أقل سوءا، فقد منعت الدولة وصول الوقود والطحين إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الحر.

وتعيش في ريف إدلب وحدها 70 قرية وضيعة تحت الظلام منذ شهرين بعد أن قصفت محطات توليد الكهرباء، حسبما أفاد ناشطو الهيئة العامة للثورة السورية.

وأثناء جولة في قرى ريف إدلب كانت معظم محطات الوقود مقفلة، وقد بدأ الناس باستخدام الحطب للتدفئة وإعداد الطعام. ومعلوم أن الدولة تحتكر الاقتصاد ومنها توزيع الوقود والطحين، كجزء من أيديولوجيا "اشتراكية البعث".

وقد شن أستاذ جامعي -فصل من عمله بسبب الثورة- هجوما لاذعا على الرئيس السوري، وقال "لقد أعادنا إلى العصور الحجرية". ووصف للجزيرة نت أنه تحول إلى عامل يحمل براميل الوقود إن وجدت أو يبحث عن حطب كي يؤمن حاجة عائلته من التدفئة ووقود الطبخ.

وقال صاحب أحد الأفران إن الدولة لم تسلمه حصته من الطحين منذ أيام، ولا يجد ما يخبزه للناس، وأضاف "هم يعاقبوننا لأننا إرهابيون"، وطلب عدم الإفصاح عن هويته وهو يشير إلى السقف المتهالك ويقول "هذه قذيفة من الجيش النظامي".

وغير بعيد عن ذلك قال عضو الأمانة العامة للمجلس الوطني السوري في إدلب محمد الدغيم "لا شك أن النظام قد قام بمعاقبة جميع المناطق المناوئة له من خلال قطع الكهرباء والاتصالات وقطع إمدادات المحروقات وغيرها من مواد غذائية واستهلاكية أخرى خصوصا مادة الطحين".

ويؤكد القادة العسكريون في الجيش الحر مسألة العقاب الجماعي، فقد أفادوا بأن طياري جيش النظام كانوا يقصفون القرى الآمنة ويتوعدونهم عبر أجهزة اللاسلكي بالقول "سنعاقبكم بأهاليكم".

محطات الوقود مغلقة معظم الوقت وبعضها يعمل لفترات محدودة (الجزيرة نت)

نظام بديل
ودرءا لسياسة التجويع وحياة الظلام طور الناشطون والثوار وسائل الإغاثة، فأنشئت لجان تقوم بسد النقص وغياب الدولة، حيث يتم شراء الوقود والطحين من السوق السوداء بأسعار مضاعفة ويجري تزويد المخابز به لتوفير حاجة المواطنين من الخبز.

ولا تقتصر أعمال الإغاثة على جهود المنظمات الخيرية أو الناشطين والمتطوعين المدنيين. ويقول أحد مقاتلي كتائب شهداء معرة النعمان أن كتيبته قامت بشراء الطحين واتفقت مع أحد المخابر لإنتاج كميات كبيرة من الخبز ثم جرى توزيعه على الأهالي، رغم أن المهمات القتالية للثوار لا تتيح لهم القيام بمثل هذه الأعمال الإغاثية.

أما في ريف حلب فقد أنشأ الثوار هيئة شرعية وضعت يدها على صوامع الحبوب المملوكة للدولة، وقامت الهيئة بالتوافق مع القادة العسكريين للجيش الحر بتشكيل لجان شعبية تشرف على تنظيم أمور الدقيق والخبز فترسل الحنطة إلى المطاحن ثم توزع الدقيق على قرى ريف حلب، وكذلك إلى أحياء في مدينة حلب تخضع لسيطرة الثوار، إضافة إلى أنها تقدم الخبز المجاني للفقراء والأرامل والأيتام.

ويقول عضو الهيئة ببلدة عندان في ريف حلب الشمالي الشيخ شيخو الشيخو إن دولة البعث تقطع الغذاء عن الناس كنوع من الحرب والحصار "لمعاقبة حاضنة الثورة التي خرج الثوار من بين أبنائها"، وأضاف أن "النظام مجرم، فقد كان جنوده يتقصدون حرق المواد الغذائية عبر قصف المؤسسات الاستهلاكية، أو خلط هذه المواد بعضها ببعض لدى اجتياح الجيش للقرى والمدن".

ويؤكد الشيخو أن الهيئة الشرعية وزعت البذار بالمجان على المزارعين لضمان زراعة القمح للموسم القادم، وذلك تحسبا فيما إذا طال أمد الأزمة، لافتا إلى أنه يجري أيضا تنظيم مسألة الوقود عبر استقدامها من مناطق بعيدة ما زالت تخضع لسيطرة النظام رغم الكلفة المرتفعة لذلك.

في مقابل كل ذلك، كانت وسائل الإعلام الرسمية في اليومين الماضيين تنقل بيانا صادرا عن رئاسة الوزراء السورية في دمشق مفاده أن البلاد تحقق فائضا غذائيا وأن هذا الفائض "سيتدفق إلى إيران".

المصدر : الجزيرة