الحاجة فاطمة 50 عاماً من بيع أكلة المقلية الشعبية (الجزيرة نت)

ياسر باعامر-جدة

بين أزقة جدة وحاراتها العتيقة، تسكن أسرار وحكايات حافلة بأمثلة نساء واجهن مصاعب الحياة دون مساعدة من الرجل إلى درجة دفعت البعض إلى تسميتها "بالعصامية".

العصامية تجلت هذه المرة في سيدات بلغن من العمر عتيا أضفن مفهوماً جديداً للعصامية لا يعتمد على الثروة المالية، بل على العطاء والمسؤولية وحب الناس لهن ليمسين جزءا من معالم مدينة الثلاثة آلاف سنة.

طراز مميز
أثناء تجوال الجزيرة نت في حي السبيل الشعبي، الذي اشتهر بلقب "حارة المليون طفل"، كان معنا أحمد العسيري -من مواليد الحي ولم يخرج منه منذ ولادته- سألناه عن المسنات اللواتي اشتهر بهن الحي على مدار عقود.

بادرنا العسيري بالقول "إنهن سيدات من طراز مميز، عجنتهن الحياة بحلوها ومرها".

لم يتوقف العسيري العاشق للأدب فأنشد قائلاً في وصفهن أبياتاً للنابغة الذبياني:

"نفس عصام سوّدت عِصاماً            وعلمته الكر والإقدام

وجعلته ملكاً هُماماً                       حتى علا وجاوز الأقوام".

عصامية "المسنات العاملات" في الأحياء الشعبية ليست في تدويل رأس المال أو رفع حصص الأسهم، بل في جلب "قوت يومهن" ورزق أولادهن، ليتجاوزن بذلك هذا المربع إلى مربع الشهرة الاجتماعية ويصبحن ضمن تاريخ جدة الحديث.

من أشهر هؤلاء النسوة الحاجة فاطمة بائعة "المقلية" -وهي أكلة شعبية مشهورة في جدة- بدأت مهنتها منذ 50 عاماً وعاصرت أول ملوك السعودية بعد وفاة مؤسسها وهو الملك سعود. تبلغ من العمر اليوم 70 عاماً، وتفترش إحدى البسطات ولا تزال عليها إلى اليوم، وأضحت أكلتها "علامة تجارية" في المدينة.

أما زبائنها فيأتون إليها من كل حدب وصوب من داخل وخارج جدة، حينما تتحدث معك تجدها تفتخر بأنها استطاعت من خلال بسطتها تربية أولادها وتزويجهم بعد وفاة زوجها من دون أن تسأل أحدا. حينما تسألها متى تتقاعدين تفاجئك بإجابتها "عندما أدخل قبري".  

الأحياء الشعبية تشتهر بالمسنات العاملات بشكل كبير (الجزيرة نت)

خبيرة الفل
أمتار قليلة ربما لا تتجاوز عشرين متراً قبالة الحاجة فاطمة يقع سوق الفل المعروف بـ"سوق اليمنة" الشعبي، وهو المورد الأول للفل في جدة الذي يستخدم في الأعراس والمناسبات، تكمن حكاية أخرى من العصامية وهي لسيدة خمسينية تدعى "أم علي" اشتهرت بخبيرة "الفل" في هذا السوق.

أم علي، التي ناهزت خبرتها الثلاثين عاما، لا تهتم كثيراً بوسائل الإعلام، ومن الصعوبة أخذ معلومات منها فهي منشغلة بزبائنها، وهاتفها المحمول لا يتوقف عن الرنين. حينما سألناها عن شعورها بالعمل في هذا المجال ضحكت قائلة "حققت ذاتي ولم أنتظر مالاً من أحد لمواجهة تكاليف الحياة وأعبائها".

في الركن الجنوبي الشرقي من مدينة جدة يقع حي النزلة الذي يعج أيضا بقصص العصاميات، فها هي شيخة الأحمدي امتهنت منذ 30 عاماً بيع المعجنات، حتى أضحى اسمها "علامة تجارية" تضاهي شركات الأغذية.

يقول عنها ابنها البكر محمد "والدتي تحملت من أجلنا الكثير، ربتنا وعلمتنا وجلبت لنا كل ما نشتهيه"، مضيفاً "رغم أنها كانت تستطيع أن تحصل على معونة مالية حكومية فإنها رفضت ذلك وأصرت على بناء مشروعها الصغير الذي نتفيأ ظلاله حتى اليوم".

هذا النوع من النساء لن تراه إلا بين جنبات الأحياء الشعبية، كما أنهن لا يعرن أي اهتمام لليوم العالمي للمسنين الذي حددته الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، للاحتفال بهذه الشريحة وهو المعني بمواجهة مشاكلهم في القرن الحادي والعشرين.

حالياً ووفقاً لمصادر تحدثت للجزيرة نت يعكف فريق من المهتمين بتدوين تاريخ جدة لإصدار فيلم وثائقي سيبث في موقع يوتيوب في فبراير/شباط المقبل عن عصامية هؤلاء النسوة اللاتي عاصرن تاريخ جدة على مدى خمسة عقود.

المصدر : الجزيرة