البناء والأمن أولويات الميزانيات الإسرائيلية للمستوطنين (الجزيرة نت)

ميرفت صادق-رام الله

خلصت دراسة للباحث بالشؤون الاقتصادية الإسرائيلية أمطانس شحادة إلى أن "المستوطنات الإسرائيلية بالأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 تحولت إلى دولة رفاه للمستوطنين".

ويقول شحادة الذي قدم مقاربة عن "اقتصاد المستوطنات الإسرائيلية بالضفة" في رام الله، إنه ورغم توجه السياسة الاقتصادية لإسرائيل في السنوات الأخيرة للإشراف على السوق من خلال "قوننة" عمله بدون تدخل مباشر، فإن هذه السياسة لا تنسحب على الدعم الاقتصادي للمستوطنات بالضفة الغربية.

ووفق الباحث، فإن إسرائيل توفر الأموال اللازمة للبناء والأمن والتعليم والصحة في المستوطنات بشكل أكبر مما تمول به "سلطاتها المحلية" أو البلديات بالمناطق المحتلة عام 1948 وذلك لأهداف قومية إستراتيجية غير مرتبطة بتكلفة مالية.

ويجري هذا الاهتمام البالغ بالاستيطان بالأراضي المحتلة عام 1967 بدعم حكومي ومجتمعي أيضا "إذ لم يطرح سؤال تكلفة الاستيطان حتى في الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها الشوارع الإسرائيلية قبل عام ونصف تقريبا خشية تفكك الاحتجاجات وفشلها".

لزيادة السكان
ويرى شحادة أن المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية والقدس تحولت إلى دولة رفاه من خلال ازدياد الصرف على المستوطنين وخاصة في قطاعات التعليم والرفاه الاجتماعي والبنى التحتية والمواصلات والصحة، وكل ذلك لدعم ازدياد أعداد سكان المستوطنات.

شحادة: البناء في المستوطنات إستراتيجي لإسرائيل (الجزيرة نت)

وبلغ الصرف الحكومي على الاستيطان داخل الأراضي المحتلة عام 48 حوالي 1700 شيكل في قضايا الرفاه الاجتماعي (بما يعادل 458 دولارا) شهريا. وتصرف الحكومة على المستوطن ما يقارب 2230 شيكلا (605 دولارات) بزيادة تصل إلى 32%، ويرافق ذلك نظام من الإعفاءات الضريبية والمحفزات المعيشية بحماية أمنية عالية.

وتشير معطيات دائرة الإحصاءات الإسرائيلية إلى أن وزارة التجارة والصناعة تخصص ربع ميزانيات لحضانات الأطفال بالمستوطنات، حيث حظيت بـ33 مليون شيكل من بين 128 مليونا هي الميزانية العامة التي صودق عليها عام 2011.

لكن شحادة يقول إن هذا الصرف يبقى هامشيا أمام الدعم الحكومي الكبير لبناء البيوت والمؤسسات بالمستوطنات، حيث جرى بين الأعوام 2000 و2009 بناء ما يقارب 21 ألف بيت استيطاني بالضفة من دون القدس.

ووفق الباحث، يعلو الدعم الحكومي للبناء الإسكاني بالمستوطنات على ذلك المقدم داخل إسرائيل رغم أن الأوضاع الاقتصادية للمستوطنين بمستوطنات الضفة كانت دائما أفضل من بقية الأقاليم داخل إسرائيل، إلا أن ميزانياتهم ومشاركة الحكومة في دعمهم ظلت أكبر أيضا.

البناء والأمن
وينعكس اهتمام الحكومة الإسرائيلية بالمستوطنات في صرفها على الأمن مثلا والذي يصل إلى 250 مليون شيكل سنويا تحت بند "تنسيق العمليات الأمنية" بينما تخصص لغرض بناء جدار الفصل وصيانته 850 مليون شيكل.

وتدفع إسرائيل من أجل بناء حي من مائتي وحدة سكنية بمستوطنة "معاليه ادوميم" شمال القدس ستين مليون شيكل، ولأجل تطوير شارع ملتف حول مستوطنة "بسجات زئيف" بالقدس مائتي مليون شيكل.

ومقابل المردود الاقتصادي المحدود على الخزينة الإسرائيلية من المستوطنات الصناعية بالضفة، وهو ما يقدره الباحث بـ4% من الناتج القومي، قدمت الحكومة بالعام الأخير 450 مليون شيكل تعويضا للمصدرين وأصحاب المصانع بالمستوطنات بسبب تراجع التسهيلات الضريبية بالسوق الأوروبية.

مصلحة إستراتيجية
ويؤيد كل ما سبق تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عقب التصويت لصالح الاعتراف بفلسطين دولة مراقب غير عضو بالأمم المتحدة نهاية الأسبوع الماضي، والتي قال فيها "إننا نبني وسنواصل البناء في أي مكان بموجب المصالح الإستراتيجية الإسرائيلية".

عياش:
بالإضافة إلى الميزانيات المخصصة للمستوطنات والتوسع الاستيطاني فإن الفلسطينيين بحاجة لمعرفة حجم الصناعات المنتجة بهذه المستوطنات ونوعيتها لتحديد قوة هذا الاقتصاد والعمالة الفلسطينية فيه لبناء إستراتيجيات جدية لمواجهته

واقتبس نتنياهو من تصريحات لرئيس الحكومة الأسبق إسحق رابين، عقب القرار الأممي عام 1975 يتهم الصهيونية بأنها حركة عنصرية، بأن "الرد على الهجوم ضد الصهيونية ودولة إسرائيل يلزم بزيادة وتوسيع تنفيذ مخططات الاستيطان..". وأضاف "لن تقوم دولة فلسطينية من دون الاعتراف بإسرائيل كدولة الشعب اليهودي، ومن دون التصريح من جانب الفلسطينيين بإنهاء الصراع ونهاية المطالب.. لن أوافق على تحويل يهودا والسامرة (أي الضفة الغربية) إلى قاعدة إرهابية يتم إطلاق صواريخ منها باتجاه إسرائيل".

وتشير أحدث تقارير جهاز الإحصاء الفلسطيني إلى ارتفاع عدد المستوطنات بالأراضي المحتلة عام 1967 إلى 144 مستوطنة حتى نهاية عام 2011، يتمركز معظمها بمحافظة القدس بواقع 26 مستوطنة. وبلغ عدد المستوطنين بالضفة 536.932 بنسبة زيادة 1.5% مقارنة بعام 2010، ويسكن 50% منهم بالقدس ويليها في ذلك مناطق رام الله وبيت لحم ثم سلفيت.

تكريس أيديولوجي
وتقول مديرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية هنيدة غانم إن المؤشرات الاقتصادية عن الدعم الحكومي الإسرائيلي للمستوطنات يجب أن تشكل أسلحة للجانب الفلسطيني في استخدامها لتجريم الاستيطان "على أراضي الدولة الفلسطينية".

وترى هنيدة أن الأموال الطائلة غير المحدودة التي تضخ على الاستيطان بالضفة بما فيها القدس غير مرتبطة بجدوى اقتصادية وإنما بإستراتيجية سيطرة وتكريس أيديولوجيا ومشروع على الأرض.

ويقول الباحث بملحق المشهد الإسرائيلي سعيد عياش إنه وبالإضافة إلى الميزانيات المخصصة للمستوطنات والتوسع الاستيطاني، فإن الفلسطينيين بحاجة لمعرفة حجم الصناعات المنتجة بهذه المستوطنات ونوعيتها لتحديد قوة هذا الاقتصاد والعمالة الفلسطينية فيه لبناء إستراتيجيات جدية لمواجهته.

ويرى عياش أن المبادرات الفلسطينية المقابلة غير فاعلة، حيث إنها سياسية وإعلامية في الغالب، كما أن تأثيرها محدود وغير ظاهر مثل حملات مقاطعة بضائع المستوطنات التي تعاني من الفوضى وعدم القدرة على الإقناع لأنها غير مدروسة وتفتقر لموقف إستراتيجي سياسي موحد بالسلطة الفلسطينية.

المصدر : الجزيرة