عدد من الصحف المصرية الخاصة احتجبت احتجاجا على الإعلان الدستوري (الجزيرة-أرشيف)

عبد الرحمن سعد-القاهرة

بعد أن تراجعت قنوات مصرية خاصة عن الاحتجاب أمس الأربعاء خوفا من الخسائر مع المعلنين ونتيجة تلاحق التطورات السياسية، فيما يبدو، قال خبراء إن تجربة احتجاب 11 صحيفة مصرية أمس الأول عن الصدور لم تكن ذات تأثير يُذكر في كسب تعاطف الرأي العام المصري مع المطالب التي رفعتها.

وجاء احتجاب تلك الصحف، وهي اليوم السابع والمصري اليوم والتحرير والوطن والصباح والشروق والوفد والأهالي والأسبوع والأحرار والفجر، تحت عنوان "لا للدكتاتورية: دستور يلغي الحقوق، ويصادر الحريات"، احتجاجا على الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي، ودعوته للاستفتاء على مشروع الدستور.

وتلك كانت المرة السابعة التي تحتجب فيها صحف مصرية في تاريخها، إذ سبق أن احتجبت في عام 1914 عندما فُرضت الحماية البريطانية، وفي 1923 احتجاجا على الرقابة العسكرية، وفي 1951 اعتراضا على قوانين حكومية لتقييد حرية التعبير، وفي عامي 1995 و1996 احتجاجا على قانونين يغلظان العقوبات بجرائم النشر، وفي 2007 احتجاجا على إدانة صحفيين بتهم إهانة قيادات بالحزب الوطني المنحل.

وقد قابل ناشطون سياسيون الاحتجاب بسخرية لاذعة، وتمنوا استمراره طوال العام "رحمة بالمتلقي"، كما قالوا. ووصف بعضهم يوم الاحتجاب بأنه "عيد الإعلام النظيف في مصر"، وشن آخرون حملة على رؤساء تحريرها ومذيعيها بعنوان "ها نقعدكم في بيوتكم.. لما تعرف مرتباتهم المليونية هتعرف ليه بيولعوها"، في حين قال أحدهم ساخرا إنه "في الصباح لم تجد الأمهات ما تضع فيه ساندوتشات أطفالها"، بينما اتهمها البعض بأنها احتجبت دفاعا عن ملاكها وليس عن الثورة.

وبينما انقسم إعلاميون بين مؤيد ومعارض للاحتجاب، أكد خبراء أن تأثيره جاء محدودا على الرأي العام، لأن "فكرته أصبحت بالية"، ولأن القارئ أمكنه الوصول للمعلومات من مصادر أخرى.

واتهم إعلاميون هذه الصحف والفضائيات بأنها تمثل الثورة المضادة، لأن عددا من رجال أعمال النظام السابق يمتلكونها، في حين اتهمها آخرون بالإثارة والتحريض على الرئيس محمد مرسي ونشر مانشيتات تثير الفزع من الإسلاميين.

شعار اختارته الصحف المشاركة في الاحتجاب للتعبير عن موقفها (الجزيرة نت)

ثغرات مقلقة
لكن الصحفي بجريدة "الأخبار" حازم مصطفى رأى أنه لا ينبغي التقليل من تأثير هذا الاحتجاب. وقال "حقق الدستور مكاسب للصحفيين، لكنه ترك ثغرات مقلقة فيما يتعلق بإغلاق الصحف بحكم قضائي، وهو عقاب جماعي، علاوة على حبس الصحفيين الذي لم يُحظر في الدستور ضمانا للحريات".

وأضاف أن إصدار الصحف بالإخطار، طبقا للدستور، لم يطبق كمعيار واحد على وسائل الإعلام، وأنه من أجل ضبط بوصلة الإعلام لا بد للدستور أن يخص نقابة الصحفيين بآليات عقابية بخلاف الإغلاق والحبس.

بلسان واحد
في المقابل، أبدت الإعلامية إيمان مصطفى تعجبها من مصدر تمويل الصحف المحتجبة، وقالت إنه على الرغم مما يبدو للعامة من التنوع فيما بينها فإنها تتحدث في كل وقت بلسان واحد، متسائلة "ما الذي يجعل موضوعاتها واحدة هكذا؟!".

وفي إشارتها إلى تحيز سياستها التحريرية، تعتبر إيمان هذه الصحف رأس الحربة للوصول بمصر لحالة الفوضى، "فالمعلومات المغلوطة والتأثر بنمط الملكية والأجندة متشابه مما يذكرنا بمقولة مستشار الرئيس الأميركي الأسبق زبجينيو بريجنسكي إن الإعلام هو السلاح الفتاك في الحروب القادمة".

أساتذة إعلام يرون أن فكرة الاحتجاب لم تثبت نجاحها، لأن الصحافة وسيلة مؤثرة لدى شريحة قليلة للغاية من الشعب

مشهد غير مؤثر
واعتبر أستاذ الإعلام بجامعتي الأزهر وأوهايو الدكتور أحمد سمير احتجاب تلك الصحف غير مؤثر في الرأي العام، واصفا ما فعلته من الظهور "الحزين" في اليوم السابق لاحتجابها عبر تسويد صفحاتها الأولى بأنه كان أمرا مستفزاً للكثيرين.

وشدد على أن فكرة الاحتجاب لم تثبت نجاحها، لأن الصحافة وسيلة مؤثرة لدى شريحة قليلة للغاية من الشعب، ويدل على ذلك أرقام توزيعها، وكذلك لأن المعارضة المصرية لم تطور تكتيكاتها وآلياتها، واكتفت بممارسة الأسلوب ذاته الذي اعتادت أن تمارسه في عهد المخلوع حسني مبارك، من المعارضة لأجل المعارضة، سعياً وراء مكاسب سياسية وصفقات وراء الأبواب المغلقة، بينما المعارضة السليمة تقوم على حشد الجماهير والتواصل مع فئات الشعب من أجل تبوء المناصب عبر صناديق الاقتراع.

أما عن الحل فيرى الدكتور سمير أنه يكمن في أمور عدة، أولا: اعتماد السلطة على أساليب علمية واضحة، وعلى أشخاص أكفاء لإدارة الأمور الإعلامية، وثانيا: أن يكون للإعلام وجود مهني حقيقي عبر تنظيمات غير حكومية تحاسب من يتجاوز المعايير المهنية، وثالثا: أن تفهم المعارضة أن عليها أن تتبنى مشروعاً وطنياً واضح المعالم يمكن الارتكان إليه، دون الاعتماد على الصوت العالي في الصحف، وأخيرا: أن يقدر ملاك الصحف قيمة الخيال السياسي بفتح المجال أمام صاحب كل رؤية جديدة، وقابلة للتنفيذ، عبر صحفهم.

المصدر : الجزيرة