النزوح الداخلي مأساة سوريا النازفة
آخر تحديث: 2012/12/5 الساعة 13:32 (مكة المكرمة) الموافق 1434/1/22 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/12/5 الساعة 13:32 (مكة المكرمة) الموافق 1434/1/22 هـ

النزوح الداخلي مأساة سوريا النازفة

خيام بنيت على عجل يعيش فيها النازحون (الجزيرة نت)

حسين جلعاد-ريف إدلب

إذا دخلت أي مدرسة في سوريا هذه الأيام، فلن ترى معلما ينير العقول أو تلاميذ يرددون النشيد الوطني، ستفاجئك حشود تندفع نحوك، أطفال وآباؤهم يستفهمون دون كلام عن الغوث، أما النساء والأمهات، فيخفين وجوههن حزنا وكبرياء.

عشرات الآلاف من النازحين ينتشرون في ريف إدلب في حين لا تزال طائرات النظام ومدافعه تدك القرى حتى بعد خروج أهلها. ويعيش النازحون في وطنهم أوضاعا تشبه العقاب الجماعي، فالطعام شحيح، والخدمات الطبية شبه معدومة. ومع دخول فصل الشتاء تزداد الأوضاع سوءا خصوصا في ظل ارتفاع الأسعار، وندرة الوقود.

"خرجنا من بيوتنا بثيابنا"، يقول حسن خطاب، النازح من قرية الدير الغربي قرب مدينة معرة النعمان. ويضيف "لا أحد يأتي لنا بالمساعدات، أحيانا تصل المعونات إلى بعض العائلات، لكنها لا تكفي الجميع".

يعيش حسن مع عائلته في إحدى الغرف الصفية في مدرسة بقرية أم جلال بالريف الشرقي لمعرة النعمان. وتتكدس في بعض الغرف ثلاث عائلات معا بمعدل عشرين شخصا في الغرفة الواحدة.

ويحدثنا حسن خطاب أنه حاول الرجوع إلى قريته الأصلية، لكن باغتته 15 قذيفة، فهرب مجددا، وترك أشجار الزيتون بلا قطاف. وهو لا يجد مبررا لتجدد القصف خصوصا أن القرية مدمرة وتخلو من نشاط الثوار.

أطفال متفائلون رغم قساوة النزوح (الجزيرة نت)

أما النازح محمد المحمود فيقول إن بعض النازحين باعوا مقتنياتهم ليوفروا ثمن الطعام والدواء. وأضاف "لا نجد حليبا لأطفالنا. نعيش حياتنا يوما بيوم، نستدين. والله يدبرها".

التضامن والإغاثة
في ريف إدلب لا تزال الروابط المجتمعية قوية، وقد أظهر السكان نوعا من التضامن يحقق في مستواه الأدنى استقبال النازحين وتوفير ملجأ لهم، ففي ريف المعرة الشمالي وحده نزح سكان 17 قرية ونزل غالبيتهم ضيوفا في بيوت القرى البعيدة عن القصف.

لكن نسبة لا بأس بها أيضا وجدت حلولا أخرى، فسكن البعض المغاور القديمة تجنبا للقصف، وفضل نازحون آخرون أن يعيشوا في خيم بنيت على عجل.

ويقول الشيخ محمود حسين المر -أحد وجهاء منطقة ريف المعرة- إن قريته استضافت نحو 1600 نازح يقيمون فيها منذ شهرين حيث جرى توفير السكن والأغطية والفرش، أما الطعام فيقدم ما تيسر منه أهل القرية كل حسب استطاعته.

ويلفت الشيخ المر إلى أنه حاول الاتصال بجمعيات الإغاثة فقدم بعضها مساعدات عينية، "لكن المساعدات لا تكفي جميع النازحين، فأغلب الجهود شخصية".

الجمعيات والتمويل
وفي موازاة التكافل الاجتماعي، تنشط جمعيات الإغاثة التي يتولاها ناشطون ومتطوعون يتلقون المساعدات من التبرعات الداخلية والخارجية على حد سواء.

المدارس في سوريا مكتظة بالنازحين  (الجزيرة نت)

ويقول إبراهيم العيدو -من جمعية أم القرى للإغاثة والتنمية في الريف الشرقي للمعرة- إن جمعيته تقدم المواد الغذائية الأساسية، و"تعطي الأولوية لعوائل الشهداء والمعتقلين ومصابي الثورة، كما تقدم خدمات للفقراء والمحتاجين".

ويوضح أن تمويل العمل الإغاثي بدأ بما يجود به الموسرون في المنطقة ثم جرى التواصل مع السوريين المغتربين في دول الخليج. وحين تشكلت أعمال إغاثية خارج سوريا تم التواصل معها مثل هيئة شام للإغاثة، والهيئة العامة للثورة السورية، وكذلك مؤسسة وطن، ومؤسسة شروق الشمس الخيرية.

وأفاد العيدو بأن حجم المساعدات التي تم توزيعها خلال سنة ونصف السنة تجاوز مليوني دولار أميركي، فقد وفرت الهيئة العامة للثورة نحو مليون وسبعمائة ألف دولار، وقدمت مؤسسة شام قرابة 700 ألف دولار.

ومع ذلك يرى العيدو أن قلة التمويل وغلاء الأسعار يشكلان تحديا أساسيا لأعمال الإغاثة. ويوافقه في ذلك الناشط في مجال الإغاثة خالد محمد سلامة حيث يرى أن متطلبات النازحين تتطلب دعما دوليا فجهود المؤسسات والأفراد لا تكفي، خصوصا مع دخول فصل الشتاء، كما أن حليب الأطفال على سبيل المثال يستلزم ملايين الليرات السورية.

أعداد النازحين
يصعب الوصول إلى أرقام دقيقة عن عدد النازحين السوريين داخل بلادهم لكن تقديرات ترجح أنهم مليونان ونصف المليون نازح، بينما تذهب بعض التقديرات إلى ضعف ذلك العدد.

وفي حديث للجزيرة نت، قالت مصادر في الهيئة العامة للثورة السورية إن عدد النازحين في ريف معرة النعمان يقدر بنحو 150 ألف نازح، وهم ينحدرون من 17 قرية وبلدة.

ويقول الناشطون إن قرى نزحت بأكملها بعد أن دمرت بيوتها بسبب القصف الشديد مثل الدير الغربي (5 آلاف نسمة)، ومعرشمشة (5 آلاف نسمة)، وبلدة حيش التي يقدر عدد سكانها بنحو عشرين ألف نسمة.

وفي الريف الشمالي لإدلب، تخلو بعض البلدات من أهلها مثل تفتناز (16 ألف نسمة) ويلاحظ الزائر أن نسبة التدمير فيها مرتفعة جدا. أما بعض القرى مثل جرجناز (17 ألف نسمة) فهي خالية بنسبة 80% من سكانها، وأسواقها مغلقة بالكامل، وقليل من الناس يمشون في شوارعها، كما لا يخلو ليلها ونهارها من دوي القذائف والراجمات.

أما قرية بسيدا (1500 نسمة) فقد جرفها الجيش النظامي بالكامل بعد أن طرد أهلها وحرق بيوتها، ليقيم فيها معسكرا لقتال الثوار المتمركزين في معرة النعمان، حسب ما يقول ناشطو الهيئة العامة للثورة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات