حطام البنايات بسبب القصف المستمر سمة غالبة في معرة النعمان (الجزيرة)

حسين جلعاد-معرة النعمان

لا تخلو سماء محافظة إدلب من تحليق طيران النظام السوري، كما أن قصفا متقطعا يسمع بين الحين والآخر في محيط واسع من الريف، لكن مدينة معرة النعمان تكاد لا تهدأ، فالقصف المستمر فوقها حوّلها إلى مدينة أشباح بعد الدمار الواسع والشامل الذي تعرضت له.

الدخول إلى معرة النعمان محفوف بالمخاطر، فراجمات الصواريخ تقصفها باستمرار، كما أنها معرضة لطلعات الطيران الحربي، ولهذا يسلك الذاهبون إليها طرقا ضيقة متعرجة تأخذ وقتا أطول من المعتاد للوصول إليها.

يفاجأ المرء من الخواء وحجم الدمار، فالمدينة خالية تماما من السكان بعدما نزح عنها نحو 120 ألف مواطن، ولا شيء يتحرك في الشوارع الفارغة والمهدمة سوى بعض الدراجات النارية للثوار، أو مواطن تسلل على عجل ليحمل بعض أغطية أو حاجيات منزلية قبل أن يلوذ بالفرار.

جميع معالم المدينة قُصفت وطالها الدمار، حتى الرموز الدينية أو التاريخية الأثرية، بل إن البنايات الحكومية والخدمية دُمر بعض أجزائها، ولم تسلم المساجد ولا المدارس ولا المشافي ولا الأسواق العامة. كما يقف تمثال الشاعر أبي العلاء المعري منخورا بالرصاص.

عصب الدولة
تجتمع في منطقة المتحف رموز عدة هي عصب الدولة بتاريخها الحضاري ووجودها الراهن والمعاصر، لكنها تحولت بعد القصف إلى شواهد على الدمار، فخان مراد باشا الذي يعود بناؤه إلى القرن السابع عشر أصيب وتحطمت بعض محتوياته.

أما رموز دولة البعث الحاكم، فتختصر تاريخ الصراع في سوريا، فمعلم دار الحكومة العريق وسمه الثوار بشعار "يسقط بشار". وغير بعيد عنه يقع مبنى مصرف التسليف الشعبي، لكن بشعارات تعود إلى عهد الأسد الأب، منها "الإخوان المسلمون أذناب للرجعية وعملاء للاستعمار"، لكن -للمفارقة- طالها القصف أيضا ولم يبق من الشعار سوى "أذناب للرجعية".

وفي جهة أخرى من ساحة الشعارات هذه، نقرأ شعارا بعثيا آخر يعود إلى حقبة ثمانينيات القرن العشرين ويقول "لا حياة في هذا القطر إلا للتقدم والاشتراكية".

السعيد: الثوار صدوا كل محاولات النظام
لدخول المدينة
(الجزيرة)

لكن على بعد أمتار وتحديدا في شارع شعبة التجنيد، ثمة بنايات محطمة تماما ومنها بناية قتل فيها 35 مدنيا في قصف جوي، يرجح المقاتلون الثوار أن بعض الجثث ما زالت موجودة تحت الأنقاض.

ويلحظ المتجول في المدينة أن الدمار الذي لحق بالمساجد متفاوت من منطقة إلى أخرى، لكنه عموما يكذب التبرير الرسمي بأن قصفها خطأ عرضي أساسه جهل بعض الجنود، فهناك مساجد دمرت مآذنها وجدرانها بالكامل، بل وتناثرت صفحات المصحف الشريف في الشارع العام بعدما تهدم المسجد.

الوضع الميداني
وحول الوضع الميداني وتطورات القتال، قال محمود السعيد وهو أحد قادة لواء شهداء معرة النعمان إن المدينة محررة بالكامل، وإن قوات جيش النظام تحاول التقدم لكن الثوار صدوا جميع المحاولات.

وأضاف السعيد في حديث للجزيرة نت "عجزت الدبابات أن تدخل معرة النعمان، ولهذا تعمد قوات الأسد إلى قصف المدينة بالطيران والمدفعية"، موضحا أن الجيش النظامي يحاول السيطرة على الطريق الدولي والمشفى الوطني.

من جهته، أفاد المقاتل محمد أبو ماهر بأن القوات النظامية تقصف عمق المدينة رغم أنها فارغة، وأكد أن المواجهات لا تهدأ، لكن القصف يتركز في ساعات الصباح والمساء، كما أن جيش النظام يقصف الضيعات الغربية لمعرة النعمان، ومنها كفرنبل وحاس وكفار رومة مما أوقع قتلى، لافتا إلى أن النظام يستخدم جميع أنواع الأسلحة، خاصة قذائف الهاون وراجمات الصواريخ والطيران المروحي وطائرات الميغ وسوخوي.

ويبدي الثوار تصميما على مواصلة القتال رغم نقص العتاد والأسلحة الثقيلة والمضادات الأرضية، مما يعني أن المعركة ستطول، حسب القائد الميداني محمود السعيد.

وكانت المعركة المسلحة بي الجيش السوري الحر وجيش النظام قد بدأت في معرة النعمان يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وسرعان ما سيطر مقاتلو الجيش الحر على 11 حاجزا عسكريا لقوات النظام، ثم أعلن الثوار سيطرتهم على المدينة.

وتتمركز قوات النظام في موقعين شرق المدينة وجنوبها، الأول معسكر وادي الضيف والثاني معسكر الحامدية الواقع على الطريق الدولي باتجاه مدينة خان شيخون.

مسجد النبي يوشع وقد قصف بالكامل
وهدمت مئذنته (الجزيرة)

أسرى النظام
في إحدى مقرات الثوار، أخبرنا السعيد أن لديهم أسرى من الجيش النظامي، وأشار إلى شاب عشريني كان يجلس بين الثوار كواحد منهم، وحين سألناه عن ذلك أكد الأمر، وأوضح أنه كان مغررا به من قبل الضباط المسؤولين عنه.

وتحدث الجندي الأسير عن تجربته إبان خدمته في جيش النظام، فقال "كانوا يخبروننا أننا نقاتل عصابات مسلحة وإرهابيين من تركيا والخارج، وأن لا أحد منهم سوري". وأضاف "كانوا يخوفوننا من الثوار.. صدقت ذلك، لكنني اكتشفت أن ذلك كله كذب حين رأيت الحقيقة بعيوني".

وأوضح الأسير أن التجسس على الجنود سياسة متبعة، وأن من يشك في ولائه إما يعتقل أو يقتل كما حدث في مجزرة المركز الثقافي العربي في معرة النعمان، حسب قوله.

غادرنا معرة النعمان على أصوات قصف متقطع، وفي طريق العودة مررنا ببلدة تل منس، كان حشد من المدنيين ومقاتلي الجيش الحر يتجمعون عند أحد البيوت على الطريق العام.. أفاد بعضهم أنهم يتهيؤون "لتشييع شهيد من أبطال لواء الأمة".

المصدر : الجزيرة