جميل محمود خطاب نجا من القتل بأعجوبة (الجزيرة)

حسين جلعاد-جرجنار

أن ترى رجلا نجا من مجزرة بشعة أمر يهز الوجدان، لكن الأقسى أن تجد نظاما سياسيا طالما تغنى برفع لواء الثقافة، يترك جنوده يقتلون المدنيين في مركز ثقافي غايته أساسا أن يخاطب أرواح الناس بالوعي والسلام.

جميل محمود خطاب ممرض من مدينة جرجناز في ريف إدلب، نجا من القتل بأعجوبة بعدما أطلق جندي من جيش النظام السوري النار على معتقلين في المركز الثقافي العربي بمعرة النعمان والذي حولته الاستخبارات العسكرية إلى معتقل.

يروي الممرض الجريح حكايته للجزيرة نت فيقول إنه اعتقل يوم 8 يونيو/حزيران الماضي من المشفى الوطني بمعرة النعمان بتهمة العمل في مشفى ميداني للثوار.

في المعتقل سيذوق خطاب أصنافا من التعذيب، كانت تعصب عيناه وتقيد يداه إلى الخلف أثناء التحقيق، ويتولى جندي ضربه بالبندقية على ظهره، حتى إذا أجهده الضرب ومال بجسده إلى الأمام، بادره المحقق بضربة عصا موجعة في بطنه كي يعتدل في جلسته، ويتواصل الضرب والتحقيق.

تحطيم الكبرياء
فترة الاعتقال ستشهد إذلالا أكبر من ذلك، فطوال أربعة أشهر مارس السجانون على المعتقلين لعبة "كسر الرأس" وتحطيم الكبرياء.

يقول خطاب "طوال أربعة أشهر كنا ننام على البلاط، دون فرش ولا غطاء، والصيف حار وخانق في الزنزانة.. الأكل سيئ جدا وقليل، شرب الماء نادر.. يسمح لنا باستخدام الحمام مرة واحدة كل 12 ساعة، أما الاغتسال فلا نعرفه إلا مرة واحدة كل ثلاثة أسابيع.

قسمت الاستخبارات المعتقل إلى مهجعين: الأول احتجزت فيه 40 عسكريا منشقا، والثاني وضعت فيه 46 مدنيا، بعضهم بتهمة مساعدة الثوار، وآخرين لمجرد الاشتباه، منهم شاب اعتقل لأنه يسوق سيارة بلا رخصة.

اليوم المشهود
الثامن من أكتوبر/تشرين الأول كانت معرة النعمان تمور بالتطورات، فقد هاجم الثوار المركز العربي الثقافي لتحريره من الأمن العسكري.

وفي داخل الغرف التي أصبحت زنازين، كان قدر يتشكل دون أن يعرف المعتقلون أن الموت يحلق فوق رؤوسهم.

يقول الممرض المعتقل إنه بعد صلاة الظهر، سمع المعتقلون أصوات طلقات النار حيث كان الثوار وجيش النظام يتناوشون.

ويضيف "في الساعة الثالثة عصرا، هجم علينا جنود النظام (السجانون) وطلبوا منا أن نتجمع قرب الحائط.. أطلق جنديان النيران علينا من الخلف، وأفرغا مخازن الطلقات في ظهورنا. أما معتقلو المهجع الثاني فقد جمعوا أيضا وفرغت الرصاصات في أجسادهم.

يستذكر خطاب لحظة الرعب المشرفة على الموت حين كان يسمع صوت الطلقات، يقول إنه يذكر أن عمود بناء كان خلفه فاحتمى به ووضع رأسه خلف العمود الإسمنتي كحركة غريزية للاحتماء، وكان يحس بجثث رفاقه تتساقط عليه.

قتل في المجزرة ستون شخصا، نصفهم من المدنيين والنصف الآخر من العسكريين المنشقين.

المركز الثقافي العربي في معرة النعمان
حيث وقعت المجزرة (الجزيرة)
الخوف والألم
يقول خطاب وهو يتحسس رجله المصابة إن "المجزرة لا تذهب من بالي.. أحيانا أتخيل الرصاصات وهي تطير باتجاهي، عشت المجزرة، لكن صورها لم تثبت في دماغي من شدة الخوف والألم.

يتألم الممرض حين يذكر رفاقه الذين قتلوا أمامه، "لم أستوعب أنهم ماتوا، ذهبت أصواتهم وحكاياتهم.. فجأة انتهوا". لكن خطاب لم يُنسه الرعب مهمته الإنسانية، فقد أصيبت رجله وبرزت عظامها، إلا أنه شرع يحدث من بقي حيا منهم.. كان يغالب ألمه وصدمته ويعطيهم إرشادات الإسعاف.

بعدما حرر الثوار المعتقل المؤقت من أيدي جنود النظام، اكتشفوا المجزرة، وصوّرها ناشطون بالفيديو.. نصف ساعة فقط فصلت بين هروب الجنود النظاميين وقدوم الثوار، لكنها دهر بأكمله كما يقول خطاب.

ويضيف "لحظة إطلاق الرصاص أحسستها دهرا.. الرصاصات تتطاير وأنت تنتظر اللحظة التي تصلك فيها طلقة، حينها كنت فقط أنطق الشهادتين، وأقول: يا رب أوصيتك عائلتي.. يا رب أوصيتك عائلتي".

بعد ذلك سيدفن الجنود والمدنيون القتلى في معرة النعمان، لكن كثيرا منهم لم تعرف هويته.. دفنوا بعدما صُورت وجوههم، فقد يأتي يوم تكتشف أسماؤهم أو يأتي أهلهم للسؤال عنهم، خصوصا أن بعضهم من محافظات بعيدة.

وجه الجلاد
يقول الممرض خطاب إنه يعرف وجه "الجلاد" تماما، فقد عذب المعتقلين طيلة أربعة أشهر، ويوضح "كان معنا طوال الوقت.. إنه الجندي الذي يأخذنا للتحقيق ويعذبنا.. كان زملاؤه يطلقون عليه اسما حركيا هو حنا، لكنني أعرف اسمه الحقيقي الثلاثي، وهو من ريف طرطوس".

وردا على سؤال عمن أطلق الأوامر بارتكاب المجزرة، يقول خطاب "لا أعرف"، ويستطرد "الضابط المسؤول في المعتقل كان برتبة ملازم أول، ولا أظن أن ضابطا صغيرا يستطيع أن يصدر حكما بإعدام 86 شخصا.. الأوامر تأتي من فوق".

وحين نسأله عن مبرر إعدام كهذا، يقول خطاب "إنهم يعتبروننا أعداء بمعنى الكلمة لأننا نعالج الإرهابيين.. إنه الحقد"، ويضيف "لا يعتبروننا مواطنين.. الدولة ملك أبيهم، ونحن مجرد عبيد لهم".

المصدر : الجزيرة