لمى الخضرا (يسار) وكمال جمال بيك وبدور عبد الكريم خلال إعلان انشقاقهم عن نظام الأسد بباريس (الفرنسية)

لمى وبدور وجمال.. صحفيون إذاعيون سوريون شاء القدر أن يصيروا مرغمين لا باختيارهم "أدوات للقتل" في يد نظام حسم خياره وظن واهما أن القوة وحدها كفيلة بوأد أحلام شعب يطمح كغيره لاستنشاق الحرية. فتحولت حياة هؤلاء الثلاثة جحيما وأضحت أحلامهم كوابيس لم يكن من بد للتخلص منها بالانشقاق عن نظام الأسد الذي احتضنهم بداية ثم استعملهم -بلا حول لهم ولا قوة- لقتل بني جلدتهم.. لا بالرصاص والصواريخ، بل بـ"الكلمة" كما يقولون.

وتختصر لمى الخضرا العمل الذي كانت تقوم به في إذاعة دمشق الرسمية بهذه العبارة، "مهمتنا كانت القتل بالكلمة!"، وقد أعلنت هي وزميلاها من العاملين في هذه الإذاعة الجمعة من باريس انشقاقهم عن النظام والانضمام إلى المعارضة المناهضة للرئيس بشار الأسد.

وقالت لمى بعد أن تلت "إعلان الانشقاق" داخل إحدى المكتبات وسط باريس، "من الصعب ارتداء قناع طوال الوقت، كان علينا الكلام مثل رجال النظام والتفكير مثلهم".

وخلال عملها اليومي كمسؤولة برامج في إذاعة دمشق الرسمية كان على لمى اختيار كلماتها بعناية. تقول "لم يكن يحق لنا سوى استخدام أخبار وكالة الأنباء الرسمية (سانا) والتشهير بالمعارضين، ولم يكن الأمر سهلا علينا. كان علينا أن نقول جماعات مسلحة بدلا من متظاهرين، ومؤامرة بدلا من احتجاج..".

وروت حالة الرعب التي كانت تسود في مكاتب التحرير، حيث لم يكن أحد يجرؤ على مشاهدة أي قناة تلفزيونية غير القنوات الرسمية. وتقول "كان من المجازفة بمكان مشاهدة قناة الجزيرة".

وتختصر الوضع بالقول "في قاعات التحرير التابعة للإعلام الرسمي كان الكثير من الصحفيين يعيشون عذابات الشعب".

جمال بيك (يسار): داخل الإذاعة تم إنشاء قسم يعمل فيه خبراء إعلام إيرانيون (الفرنسية)

سجن غير مرئي
من جهته، قال مدير البرامج في الإذاعة والمشرف على موقع الإذاعة والتلفزيون الرسميين على الإنترنت كمال جمال بيك "لقد استدعت أجهزة الاستخبارات عددا منا للتحقيق"، موضحا أنه استجوب ثلاث مرات.

أما بدور عبد الكريم المسؤولة السابقة عن القسم الثقافي في الإذاعة الرسمية وهي ثالثة المنشقين، فقالت "إن العمل في وسيلة إعلام رسمية في سوريا يوازي العمل في سجن غير مرئي. لم نكن صحفيين. البعض منا كان يوالي النظام ولا يخفي ذلك، والبعض الآخر كان يواصل العمل فقط لأن لا مجال له لغير ذلك".

ويكشف كمال جمال بيك دور "الخبراء الإيرانيين" قائلا "داخل الإذاعة تم إنشاء قسم يعمل فيه خبراء إيرانيون في الإعلام يتكلمون العربية بطلاقة"، حيث كان الصحفيون الأكثر ولاء للنظام يتلقون التدريب على أيديهم، أو يرسلون إلى بيروت للتدرب في تلفزيون المنار التابع لحزب الله اللبناني.

وبعد أن تعرض زميلهم محمد السعيد للقتل على أيدي مجموعة جهادية في يوليو/تموز الماضي، قرر الثلاثة مغادرة سوريا فانتقلوا منها إلى لبنان قبل أن يصلوا في نهاية المطاف إلى باريس قبل أيام بمساعدة السلطات الفرنسية.

وقالوا في إعلانهم إن المغادرة كانت صعبة، إلا أنهم قرروا الرحيل بعد أن اعتبروا أن ما كانوا يذيعونه كان يوازي إطلاق النار على المعارضة.

ويعيش الثلاثة اليوم في إحدى ضواحي باريس، ويحلمون بإنشاء إذاعة جديدة "تكون نواة الإذاعة الرسمية لما بعد سقوط الأسد".

فقد أكدوا أنه بالتعاون مع الائتلاف السوري المعارض يريدون إنشاء إذاعة "تترجم نبض الثورة السورية لتعزيز الوحدة الوطنية بين السوريين".

يشار إلى أنه منذ بدء الاحتجاجات في سوريا والتي تحولت تدريجيا لما يشبه "الحرب الأهلية" بحسب مراقبين، انشق عشرات الصحفيين عن النظام وغادر غالبيتهم بشكل سري إلى تركيا أو الأردن أو لبنان.

وقتل حتى الآن في سوريا 17 صحفيا من الأجانب والسوريين، يضاف إليهم 44 "مواطنا صحفيا" يعملون على نقل الأخبار الميدانية من مناطق نزاع يصعب على الصحفيين المحترفين الوصول إليها.

المصدر : الفرنسية