فيصل مقداد (يمين) والإبراهيمي يزوران موسكو بحثا عن حل للأزمة السورية (الفرنسية-أرشيف)

أحمد السباعي

سباق محموم بين الدم والدبلوماسية في الأزمة السورية التي يبدو أن حلها يطبخ على نار لا أحد يعرف إن كانت هادئة أم مشتعلة بين واشنطن وموسكو رغم نفي الأخيرة وجود أي خطة مشتركة بين البلدين.

وتبدو موسكو منتشية من تحولها إلى "محج" ومقصد للبحث عن حل للأزمة السورية، الأمر الذي أعادها بقوة لخارطة الدبلوماسية الدولية كقطب يفرض رأيه لا كطرف ينفذ الأوامر.

وبدأ "الحج إلى موسكو" مع وقوف روسيا مع النظام ودعمه وصولا إلى استخدام الفيتو لمنع صدور قرارات من مجلس الأمن تدين النظام.

وآخر هذه الزيارات، زيارتا فيصل مقداد -نائب وزير الخارجية السوري، الذي كان في موسكو قبل شهر- والمبعوث الدولي العربي المشترك لسوريا الأخضر الإبراهيمي الذي قيل إنه يحمل مبادرة تنص على تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات واسعة على أن يبقى الرئيس بشار الأسد رئيسا لمدة عامين بصلاحيات محدودة، وتعهد بعدم ترشحه عام 2014، وإعادة هيكلة الجيش والقوات الأمنية.

هذه الخطة التي تقول المصادر إن الأسد رفضها "جملة وتفصيلا" ورفضتها المعارضة أيضا، سيحملها مقداد لروسيا ليشرح للمسؤولين الروس أسباب رفض النظام لها قبل وصول الإبراهيمي.

لكن يبدو أن الإبراهيمي الذي تحدثت أنباء عن أنه قد يؤجل مغادرته دمشق بانتظار رد الأسد على خطته، غادرها لبيروت في طريقه لموسكو السبت. وأشارت مصادر إلى أن المبعوث المشترك يبحث مع الروس ما آلت إليه محاولته الأولى في دمشق لنقل خطة جنيف إلى الأسد.

ومن المؤكد -حسب المصادر- أنه لو كانت هناك بوادر إيجابية للقاء الأسد والإبراهيمي، ما كان الأخير ليطلب الذهاب لموسكو التي تعدّ الشريك الأول للأسد والجهة الوحيدة التي يستطيع اللجوء إليها للضغط عليه.

ماتوزوف: الأميركيون يريديون فرض الحلول على طريقة "الكاوبوي" (الجزيرة)

حكومة بصلاحيات كاملة
ودعا  الإبراهيمي في مؤتمر صحفي -قبيل مغادرته دمشق- لتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات، أي "كل صلاحيات الدولة"، وأضاف أن هذه الحكومة "تتولى السلطة أثناء المرحلة الانتقالية" التي يجب أن تنتهي بانتخابات إما أن تكون رئاسية أو برلمانية حسب الاتفاق الذي يتم على شكل النظام السياسي.

ولكن اللافت في تصريح الإبراهيمي كان قوله إن "التغيير المطلوب في سوريا ليس ترميما ولا تجميليا، لأن الشعب السوري يحتاج ويريد ويتطلع إلى تغيير حقيقي، وهذا معناه مفهوم للجميع" دون أن يوضح المقصود من التغيير الحقيقي.

وعن هذا يقول المحلل السياسي يفغيني سيدروف إن موسكو وواشنطن أجرتا مشاورات وتوصلتا إلى شبه اتفاق لتأييد خطة الإبراهيمي والدفع لفرض مرحلة انتقالية سياسية ووقف حمام الدماء.

وأضاف أن نفي الخارجية الروسية يؤكد أن هناك شيئا يطبخ بين الروس والأميركيين الذين يريدون رأب صدع العلاقة بينهما بعد الضربات المتتالية التي تلقتها هذه العلاقات منذ بداية الأزمة السورية.

أما بالنسبة لزيارة مقداد فيشير سيدروف إلى أن خطة الإبراهيمي لن تكون على رأس هذه المحادثات بين الطرفين بل ستركز على مقترحات يحملها مقداد لحل الأزمة والوصول لمقاربات تكون محل توافق الطرفين.

في المقابل يؤكد المحلل السياسي فيتشسلاف ماتوزوف أن السياسة الروسية ثابتة ومواقفها من الأزمة السورية غير متحركة ونفى حصول أي تنسيق بين الأميركيين الذين يريدون فرض الحلول على طريقة "الكاوبوي" والروس الذين يدافعون عن القانون الدولي ومواثيقه، مشيرا إلى أن الاتفاق الأميركي الروسي الوحيد هو ما نص عليه اتفاق جنيف في 30 يونيو/حزيران.

خلف: سوريا ستكون "ثمنا باهظا" لعودة الدبلوماسية الروسية كقطب بالخارطة العالمية (الجزيرة)

دبلوماسية عبثية
وأوضح أن روسيا لا تُسقط أنظمة ولا تزيح رؤساء، وتدعو لحكومة انتقالية تشارك فيها المعارضة السورية (دون أسماء متشددة) ويبقى الأسد في السلطة ويترشح للانتخابات وفي حال هزم يتنحى، وكشف أن زيارة مقداد هي دورية بين حليفين لتنسيق المواقف وليس لإملاء الأوامر على دمشق لتنفذها.

وخلص إلى أن موسكو تؤيد مبادرات الإبراهيمي لأنها قائمة على حلول سياسية لا عسكرية، وإيمانا منها بالحلول السياسية فهي لم تزود دمشق بأي أسلحة متوسطة أو ذخيرة منذ بداية الأزمة مقابل واشنطن التي اعترفت بائتلاف المعارضة السورية وتوعز لحلفائها في المنطقة لتهريب السلاح لسوريا لتأجيج الحرب وتضغط على حلفائها لرفض الحلول السياسية.

ويذهب مستشار معهد الدراسات الإستراتيجية الروسية عباس خلف إلى منحى آخر، باعتباره هذه الزيارات "دبلوماسية عبثية" لن تؤدي إلى نتيجة، فواشنطن هشمت اتفاق جنيف باعترافها بائتلاف المعارضة السورية مما أدى إلى ضرب العلاقات بين واشنطن وموسكو في مقتل، وأضاف أن هذه الزيارات تهدف لإعادة موسكو إلى خارطة الدبلوماسية الدولية وستكون سوريا "ثمنا باهظا" لهذه العودة، وضحية الصراع الأميركي الروسي.

وأوضح أن الحديث عن اتفاق أميركي روسي دليل جهل وعدم دراية بالسياسة الروسية المصرة على أن الأسد ما زال "حيا سياسيا" ويمكن كسب الوقت حتى تحقيق أقصى المكاسب من هذه المعركة الدبلوماسية.

أما الإبراهيمي الذي وصف خلف مهمته بالفاشلة، فيعتقد أنه غير قادر على إحداث أي تغيير في الموقف لأن التنسيق الأميركي الروسي غائب تماما في هذه المرحلة بسبب تدهور العلاقات بين البلدين.

المصدر : الجزيرة + وكالات