حنين السعوديين للماضي يبدو واضحا في تصاميم المجالس الثراثية في منازلهم (الجزيرة نت)
الدمام-هيا السهلي
 
الالتفاف حول نار مشتعلة في مجالس تراثية في فصل الشتاء نمط اجتماعي انتشر بين الأسر السعودية يدفعهم إليه الحنين للماضي، والبحث عن المتعة والراحة النفسية أكثر من الدفء.

وبدا ذلك واضحا في تصاميم المنازل عند البناء أو استحداث مساحة لها، ولو كان بضعة أمتار، حتى أن بعضهم استبدل موقف السيارة بهذه المجالس.

وترجع كل أسرة في بناء هذه المجالس إلى ماضيها، فالحاضرة يبنون غرفا من طين والبادية تنصب بيتا من الشعر أو خيمة في فناء البيت.

وتُزين المجالس بمقتنيات تراثية وقطع من السدو المنثور بين جنباته أو معلق على جدرانه ومكان مخصص لإشعال النار يسمى "المشب" وتُعد فيه القهوة بأدواتها القديمة على نار من شجر "السمر أو الأرطاء أو الغضا".

حنينه للماضي دفعه لبناء بيت الشعر في موقف السيارة داخل منزله (الجزيرة نت)

عادة مستمرة
ويعتقد حمد الضويان الباحث في مجال التراث الشعبي أنها عادة مستحيل أن تنقطع، وأنه مع طفرة العمران أصبح الناس ينشدون الراحة ويجدونها في مثل هذه المجالس.

وقال الضويان للجزيرة نت إن الفترة ما بين (1975- 1980) كانت بداية انتقال الناس من بيوت الطين إلى البيوت الخرسانية، والبادية من الارتحال إلى الحل في المدن، ومع 1990 بدؤوا يعودون للماضي وخاصة مع بناء القرى التراثية التي وجدوا فيها حنين الماضي وشجعتهم لبناء المجالس التراثية.

وعادة ما يجمع سُمّار هذه المجالس مُوقِد النار الذي يوقدها بفنه وحديثه ويقال (النار من شبَّابها) ويجدون فيها راحة تفرغ ما في أنفسهم من ضيق أو حديث مكنون. ويقول عنها الضويان "لها نكهة خاصة وتبيح ما في خاطر الشاعر وتحث الراوي بقصصه".

كما يتعارف عند كبار السن أنها تسفر عن مخابر الرجال، فيقولون "إذا أردت أن تعرف الملقوف فضعه عند النار" والملقوف في عرفهم هو الرجل العابث وغير المتزن، فعادة ما ينكث عيدانها ويقلب نارها حتى يثير دخانها.

وتعد هذه المجالس عاملا قويا للترابط الاجتماعي، فيجتمع حولها أفراد الأسرة وجيران الحي والأصدقاء.

الاحتطاب الجائر
والأنس الذي تبعثه شعلة النار يستهلك حطبا تنشط بسببه سوق للحطب على أطراف المدن يباع فيها بأسعار عالية تقدر بأكثر من ثلاثة آلاف ريال (ثمانمائة دولار) لحمولة النقل الصغير، وهي أُحتطبت بلا ثمن من صحراء المملكة مما أوجد تجارة مضمونة الربح يطمع فيها الكثير ومسببة خطرا بيئيا باحتطابهم الجائر.

ويشرح إبراهيم الربدي رئيس المجلس البلدي بمدينة بريدة والباحث بشؤون البيئة الاحتطاب الجائر بقوله "إن الاحتطاب الجائر هو الجور على البيئة الشجرية بقطع الأشجار من جذورها والتركيزعلى مكان واحد بإنهاكه حتى يتعرى".

ويرى في حديثه للجزيرة نت أن هناك جشعا في مهنة الاحتطاب حيث يعمل فيها عدد كبير من الموظفين وهم يحرمون الحطاب الأصلي صاحب المهنة من ممارسة مهنته والتكسب منها، مقترحا أن يكون هناك اعتراف رسمي بمهنة للحطاب حتى يكون انتمائه أكبر لمصدر رزقه.

الاحتطاب الجائر يؤدي لتدهور الغطاء النباتي وتشويه جمال الصحراء (الجزيرة نت)

الإرهاب البيئي
وفي حديث مع الجزيرة نت، عزا الدكتور عبد الله المسند المختص بالبيئة الجغرافية لصحارى المملكة، مشكلة تدهور الجمال الطبيعي للصحراء وتدهور الغطاء النباتي، لأسباب من أهمها الاحتطاب الجائر ويسميه بـ"الإرهاب البيئي".

ويبلغ حجم التدهور السنوي للغطاء النباتي الشجري نتيجة لاحتطاب أشجار السمر بنحو 3376 هكتارا عام 2001، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 13712 هكتارا عام 2022.

وقدرت كمية حطب الغضاء والإرطاء المعروضة في أسواق المملكة سنويا بنحو8800 طن، وفقا لدراسة نشرتها جريدة الوطن السعودية في 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وينفي الضويان أن تكون عادة أشعال الحطب بالمجالس التراثية سببا في الاستهلاك الجائر للحطب، مشيرا إلى أن من يسببه هو المطاعم التي تستخدم الحطب ومهرجانات مزايين الإبل حيث المفاخرة والمباهاة.

ويؤكد أنه رأى بعينه في مزايين "أم رقيبة" من ينصب بيت شعر طوله مائة متر ويشعل في الليلة الواحدة حمولة شاحنة كبيرة أو أكثر. وقال "خرج الموضوع من الاستئناس بالنار إلى تباهي بعض  القبائل فيما بينهم حول من هو أشد نارا وأكبر صيوانا".

المصدر : الجزيرة