زائرون في باحة كنيسة قرية إقرث (الجزيرة نت)

وديع عواودة-إقرث

بالأمس سادت فلسطين أجواء شإقرثتوية عاصفة لم تشهدها منذ عقود. وفي قرية إقرث الفلسطينية المدمرة منذ النكبة اختلطت دموع الأهالي بالمطر وهم يشيّعون فقيدهم باسم يعقوب (56 عاما) لدفنه في المقبرة المسيحية.

لم يتوقف المطر ولو دقيقة واحدة، وكأن السماء تبكي على أهالي قرية معذبة تحرمهم إسرائيل -خلافا للشرائع والقوانين- من العودة لديارهم إلا وهم أموات، كما حصل مع باسم يعقوب الذي رحل مبكرا.

قبل أسبوع زار الراحل قريته إقرث لتحضير احتفالية فنية ملتزمة، لكنه لم يكن يعرف أن هذه زيارته الأخيرة لها حيّا.

وخلال الجنازة بكى نبيل عوني سبيت -كالمئات من المشيعين- حسرة على ابن بلدته وقريبه الذي دهمه الموت مباغتا، وعلى والده الشاعر المعروف عوني سبيت الذي عاد هو الآخر إلى إقرث بعد مماته فقط قبل سنوات.

إبراهيم عطا: يعقوب كبقية أهالي بلدته كان يقيم لاجئا في وطنه داخل قرية كفر ياسيف في الجليل (الجزيرة نت)

حرمان وتعذيب
ويقول نبيل "روى والدي أنه والشباب المرافقين هرولوا مسرعين لمغادرة المكان فور انتهاء الدفن، لكن الجيش الإسرائيلي اعترضهم وألزمهم بحفر الضريح واستعادة الجثة".

كفكف نبيل دمعته السخية وهو يواصل استذكار شقاء والده ويقول إنه ومرافقيه اضطروا لحمل الجثمان على الأكتاف والعودة لقرية الرامة على بعد 40 كيلومتر سيرا على الأقدام رغم المطر والطقس العاصف، كما في جنازة باسم يعقوب.

ويؤكد قريب الراحل، المربي إبراهيم عطا الله أن يعقوب كبقية أهالي بلدته كان يقيم لاجئا في وطنه داخل قرية كفر ياسيف في الجليل منذ طردتهم السلطات الإسرائيلية وهدمت منازلهم ليلة عيد الميلاد في 1951.

ويؤكد عطا الله أنه في مثل هذا اليوم قبل 61 عاما، استفاق أهالي قرية إقرث داخل فلسطين المحتلة عام 1948 ليكتشفوا أن إسرائيل هدمت كافة منازلهم ليلة عيد الميلاد لتصدمهم وتثبط عزائمهم، وتحتل وعيهم بعد احتلال أرضهم في محاولة لقطع طريق عودتهم.

حبر على ورق
وبدوره يستذكر الشيخ عبد الله حداد أبو إيليا (82 عاما) أن الجيش الإسرائيلي طلب نهاية 1948 من سكان إقرث وكفر برعم النزوح لمدة أسبوعين فقط ريثما تستقر الحالة الأمنية على الحدود مع لبنان، فرحلوا تحت التهديد والوعيد.
الشيخ عبد الله حداد وزوجته وبينهما الشاب أمير أشقر من قادة الشباب المعتصمين في كنيسة إقرث منذ أربعة شهور (الجزيرة نت)

يشار إلى أن قرار محكمة العدل العليا في إسرائيل 1954بالسماح لهم بالعودة بقي حبرا على ورق رغم الضغوط الكبيرة التي مارسوها، وفي 1972 وافقت إسرائيل على فتح المقبرة وترميمها وعلى دفن موتاهم فيها.

لكن أهالي إقرث لم يسلموا بالواقع وواظبوا على النضال بشتى الوسائل المدنية للعودة إلى ديارهم، ومنذ أربعة شهور يعتكف داخل كنيسة القرية عشرات من الشباب الذين يتناوبون على المبيت فيها.

ولم ينقطع الشيخ أبو إيليا وزوجته وداد حداد عن التواصل مع مسقط رأسهما إقرث، منذ هجّر إلى حيفا قبل عقود، ويحرصان على زيارتها كل يوم سبت.

"هنا أشعر براحة وسكينة لا مثيل لهما في أي مكان آخر"، يقول أبو إيليا معللا ذلك بالرابطة الوجدانية مع موطنه الصغير ومرتع طفولته وصباه، وحيث رفات والديه وأقربائه.

شعاع الأمل
ويقود شباب إقرث اليوم المظاهرات والفعاليات النضالية للحفاظ على هويتهم الفلسطينية من أجل العودة لأرض أجدادهم.

وأمير أشقر (25 عاما) هو أحد الشباب الإقرثيين المعتكفين منذ شهور في كنيسة القرية "حتى لا ينطفئ شعاع الأمل في العودة رغم العراقيل الإسرائيلية".

ويقول أشقر للجزيرة نت إن الشرطة الإسرائيلية تستغل أتفه الأسباب لشن غاراتها على الكنيسة في محاولة لطرد من فيها، مثلما فعلت قبل أيام عندما شنت حملة واسعة على قن دجاج خشبي وهدمته لكونه "غير مرخص".

ويتابع ساخرا "بات قن الدجاج يخيفهم وهم يستشعرون عزمنا على البقاء هنا إلى ما شاء الله حتى نستعيد حقنا بأرضنا".

المصدر : الجزيرة