اشتباكات بين أنصار القوى الإسلامية ومعارضين لهم في الإسكندرية (الجزيرة نت-أرشيف)
عبد الرحمن سعد-القاهرة

تكرر مشهد رفع بعض المتظاهرين المصريين أحذيتهم للمختلفين معهم في أكثر من موقف، بعد عنف لفظي، يتطور إلى عنف مادي، وقد يصل إلى اشتباكات تسفر عن إصابات في النهاية، كما حدث في ميدان التحرير، وعند قصر الاتحادية، وحول مسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية، وفي غيرها، في الأسابيع والشهور الماضية.

ويرى خبراء في علم النفس والحوار أن لغة التخاطب وصلت إلى درك اتهامي غير مسبوق في حياة المصريين، حتى صار عاديا تبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة، فضلا عن إطلاق أوصاف بذيئة وعنصرية بحق المخالفين.

هذه الممارسات دفعت بمساعد رئيس الجمهورية للتواصل المجتمعي الدكتور عماد عبد الغفور لإطلاق مبادرة للحوار أطلق عليها اسم "ميثاق العمل السياسي المصري".

وتتضمن المبادرة 10 بنود هي حرمة الدماء وصيانة الأرواح وحفظ الأعراض والأموال والممتلكات الخاصة والعامة، ووضع مصلحة مصر فوق مصلحة التيارات والجماعات والزعامات، ونبذ العنف بكل أشكاله أو التلويح باستخدامه، وتجريم مهاجمة مقرات الأحزاب، والسفارات الأجنبية، والتعرض لمؤسسات الدولة أو محيطاتها أو محاصرتها، واحترام دور العبادة، والبعد عن التحقير وتأجيج المشاعر والبذاءة، والتهييج.

ويقول أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر الدكتور أحمد عبد الفتاح إن المجتمع المصري "اعتاد في النظام السابق الجمود الفكري، وكل واحد لم يكن يرى إلا نفسه، رغم أنه لم يتعرض للتربية على المشاركة السياسية منذ الصغر، لأن النظام السابق لم يكن يسمح بها".

ويضيف "من هنا سيطر التعصب وعدم المرونة، وبعد الثورة لم يقم الإعلام الوطني بدوره المهني، فأصبح همه البحث عن السلبيات فقط، وتجاهل فتح الملفات المهمة، وبث الثقة، ونبذ نظرية المؤامرة، وعدم إقحام الدين في الخلاف السياسي".

أحمد عبد الفتاح:
تغيير هذا الأمر يتطلب "العمل على تغيير ثقافة المجتمع، وتغليب لغة العقل على العاطفة في الخطاب. والأحزاب تحتاج إلى دورات لأعضائها تتدرب فيها على أن الاحترام والأدب مقدمان على الرأي السياسي

تغيير الثقافة 
ويرى عبد الفتاح أن تغيير هذا الأمر يتطلب "العمل على تغيير ثقافة المجتمع، وتغليب لغة العقل على العاطفة في الخطاب"، وشدد على أن الأحزاب "تحتاج إلى دورات لأعضائها تتدرب فيها على أن الاحترام والأدب مقدمان على الرأي السياسي، وبالتالي لا يصح الإدلاء به بطريقة سليطة وبذيئة".

أما مديرة مشروع "تمكين الأسرة" في المجلس القومي للسكان الدكتورة فيفيان فؤاد فترى أن مشكلة التخاطب بين المصريين "لها مساران، الأول سياسي، والثاني ثقافي معرفي، وهذا الأخير تعرض للتجريف لعقود، وانتقدت التيارين الديني والمدني معا، لأنهما يغذيان عدم التسامح، فأصبح كل حوار تسوده نظرية أنا الأفضل.. وأنت جاهل".

كما انتقدت ما عدته "تسييس وسائل التنشئة الاجتماعية حسب طبيعة النظام السياسي، وتلونها بلون كل حكومة، وأحيانا بلون كل وزير".

وتتساءل "كيف للمدرسة والمؤسسة الدينية والعامة أن تغير مناهجها وطريقتها هذه المرة في اتجاه أكثر انفتاحا؟ وأن تلتزم الدولة بأن تكفل مؤسسات أكثر ديمقراطية، تبدأ من الأسرة والمدرسة، فلا تترك الأطفال لعشوائية التنشئة؟".

وانطلاقا من هذا التشخيص تدعو إلى "تقوية المؤسسات الرسمية الدينية، وإعادة التوازن للإعلام الرسمي، والتصدي للفكر الأحادي، والتوافق على السياسات العامة، وتغليب قضايا الفقر والاقتصاد على نقاشاتنا، وأن يكون العقلاء في هذه المرحلة الانتقالية بناة الجسور بين الفرقاء، مشيرة إلى أنه يقع على السلطة عبء أكبر في استيعاب المعارضة أكثر من الاحتماء بالمؤيدين".

لكن رئيس جمعية المقطم للحوار الدكتور حسن الحيوان يرى أن ما يحدث هو "اختلاف فكري طبيعي، لأن هناك طرفين يستحيل أن يتفقا أو يلتقيا وحسم ذلك يكون بالرجوع إلى الشعب، وإعمال الاختيار الديمقراطي."

وبضيف أن الاتجاه الخاسر "إذا لجأ إلى العنف فعلي الطرف الآخر أن يتحمله، وألا يبادله الإساءة بالإساءة، والإفلاس بالإفلاس، وبهذا يحسم الخيار الحضاري للطرف المنتصر سلميا وديمقراطيا، والحفاظ على مصلحة البلد سلميا وحضاريا".

حسن وجيه حذر من المباريات الصفرية في الحوارات (الجزيرة نت)

المبادرة الصفرية
من جهته حذر خبير الحوار والتفاوض وعلاج الأزمات الدكتور حسن وجيه من "مفهوم المباراة الصفرية القائمة على فكرة سحق الآخر في الحوار، مشيرا إلى أن ثقافة الحوار تتطلب قدرات تؤهل للتعامل مع الآخر من منطلق إنساني عادل يهدف إلى تحقيق المكسب للجميع".

وشدد على أن النخبة استغرقت في استحضار الأوضاع المحبطة، لذا يدعو إلى فك ما يعده اشتباكات خاطئة قائمة على الأرض بين القوى السياسية، وإفساح المجال للصحة الحوارية، وتحقيق قدر من الاندماج مع الطرف الآخر مما يجعله يشعر بأننا نرغب في الحوار معه.

وأضاف بعد إقرار الدستور لا بد من إجراءات سريعة لبناء الثقة، وعلى الرئيس أن يبرد الاحتقان بسياسات واضحة، كما يجب عدم الاستعجال في تخريج نصوص الدستور في صورة قوانين من خلال مجلس الشورى، لأن هذا قد يثير مخاوف البعض، والأفضل الانتظار حتى يلتئم مجلس النواب، وإن كان لا بد فيفضل استباق إقرار أي قانون بحوار مجتمعي".

المصدر : الجزيرة