محل الحراري للخياطة من آخر الشواهد على الثورة الليبية بساحة التحرير في بنغازي (الجزيرة نت)

خالد المهير-بنغازي

حين تزور ساحة التحرير بمدينة بنغازي، معقل الثورة الليبية، هذه الأيام لا تجد سوى محل صغير في مواجهة البحر ينتج صاحبه أعلام الاستقلال منذ بداية الثورة، وهو ما تبقى من روح الثورة التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2011.

داخل المحل يجلس الحاج محمد الحراري (70 عاما) وراء ماكينة خياطة قديمة طوال اليوم يخيط علم الاستقلال ويتحدث في هموم السياسة، وبين لحظة وأخرى يستمع إلى أصوات الرصاص والانفجارات.

لكنه يقول إن دوره ما زال مستمرا في إنتاج علم ليبيا الجديد المطرز بالألوان الأحمر والأخضر والأسود منذ ذلك اليوم الذي شاهد فيه امرأة تخرج لأول مرة بعد 42 عاما من حكم القذافي علم الاستقلال في ساحة شمالي بنغازي.

على حائط المحل صور لملك ليبيا الراحل إدريس السنوسي، وأخرى لشهداء سقطوا إبان حرب التحرير، ورجل بدأت رحلته مبكرا مع العلم الذي رهن بقية عمره لصناعته.

وجد الحراري نفسه يوم 20 فبراير/شباط 2011، أي بعد خمسة أيام على اندلاع الاحتجاجات في بنغازي، في تحد لتوفير الأعلام للمحتجين.

ساحة التحرير ببنغازي (الجزيرة نت)

خياط ثائر
كان الرجل قبل الثورة خياطا ينتج البدل العربية والإفرنجية بمحل صغير جوار بيته، جاء إلى ساحة الاعتصام ولاحظ رغبة المعتصمين الكبيرة في الحصول على الأعلام.

وجدها الحاج محمد فرصة سانحة لمعرفة الأجيال الليبية الجديدة علم بلادهم الأصلي، ورجع إلى بيته لصناعة خمسة أعلام، جاء بها يوم 18 فبراير/شباط لتوزيعها بدون مقابل وسط المتظاهرين.

أثناء زيارة الجزيرة نت محله أكد أنه "لحظتها لم تكن هناك صعوبة في الحصول على السلاح، بقدر صعوبة اقتناء العلم. كان إحساسي أن العلم سيمنح الغاضبين دفعة قوية وقد يكون أشبه بالذخيرة".

يحكي أنه رغم توفر الأكل والشرب بالساحة، فقد قرر الرجوع إلى البيت والبقاء فيه لإنتاج ثلاثين علم تكون جاهزة صبيحة أحد الأيام الأولى للثورة.

وحين بدأت الثورة تتحول إلى كفاح مسلح، ذهب بالأعلام في سيارته وقام بتوزيعها على الطريق من بنغازي إلى إجدابيا، في رحلة أشبه بالانتحار.

وعند قرية "بشر" غرب إجدابيا توقف على مجموعة من الشباب، ووزع عليهم الأعلام وذكر لهم أنه لم يعد بمقدوره حمل السلاح للمشاركة في الحرب، لكن مهمته ستظل توفير العلم طيلة الثورة.

كما يروي أن نفس الشباب طلبوا منه الرجوع إلى ساحة الاعتصام الرئيسية في بنغازي وخياطة الأعلام، وقد عاهدوه على الاستمرار في الحرب إلى حين إسقاط القذافي.

تطورت فكرة إنتاج العلم، ونصبت خيمة متواضعة لإنتاج أعلام الثورة بدعم من المعتصمين ومجموعة "شاهي الحرية" المعروفة بتأليف الأغاني وبالرقص والشعارات.

الحراري: رهنت بقية حياتي لصناعة علم الاستقلال (الجزيرة نت)

بدايات الثورة
يتمنى الحاج الحراري اليوم رجوع لحظات الثورة الأولى، ويذكر أنه في تلك اللحظات "لم نكن نخشى الموت"، مضيفا أن ساحة الاعتصام وفرت لهم الأمن والأمان والمحبة والتسامح.

لكنه لم يخف إحباطه الكبير، وهو يتحدث عن المشهد السياسي حاليا، ويردد أن مشاكل ليبيا بدأت مع ما يسمى "تحرير طرابلس".

لم يسلم هو الآخر من التهديد على يد أصحاب التوجهات الفدرالية والسلفية، إذ يقول إنه يتعرض يوميا للسب والقذف والشتم عند رفضه خياطة أعلام أصحاب هذه التوجهات.

ويؤكد أن أصحاب التوجهات الفدرالية حطموا له آلة خياطته حينما اعترض على صناعة أعلام "برقة".

ويقول إن العلم الوحيد الذي يتقن خياطته هو علم الاستقلال وأعلام دول ثورات الربيع العربي، تونس ومصر واليمن وسوريا.

ويلاحظ افتخار المواطن عند شراء علم الاستقلال، بعكس طلب أعلام برقة والسلفيين التي تطلب بخجل وخوف.

وتحدث في ختام حديثه للجزيرة نت عن قصة خروج علم ليبيا إلى حيز الوجود في مثل هذا اليوم قبل 61 عاما حيث أعلنت الأمم المتحدة استقلال البلاد وأصبح لها علم يعكس تناقضات "الأيام السوداء ودماء الشهداء وأخيرا النماء".

المصدر : الجزيرة