وتستنزف مصر احتياطياتها من النقد الأجنبي بواقع نحو ستمائة مليون دولار شهريا (الأوروبية)

طوت مصر صفحة الدستور بموافقة نحو ثلثي الشعب المصري (نتائج غير رسمية)، لتفتح صفحة جديدة من كتاب الأزمة الممتدة منذ أشهر عنوانها "الاقتصاد" الذي يجمع خبراء مصر على أنه هش ويعاني من صعوبات منذ عامين مما أدى الى إحجام المستثمرين والسياح، وهما مصدران مهمان للدخل القومي في البلاد.

وتستنزف مصر احتياطياتها من النقد الأجنبي بواقع نحو 600 مليون دولار شهريا، مما أدى الى انخفاض تلك الاحتياطيات إلى حوالي 15 مليارا (بينها ثلاثة مليارات ودائع قطرية وتركية وسعودية و3.3 مليارات رصيد الذهب)، وهو أقل من نصف مستواها قبل تنحي الرئيس حسني مبارك (نحو 36 مليار دولار).

وكشف أحدث تقرير صادر عن البنك المركزي المصري عن عدم قدرة الاحتياطي النقدي على تغطية سوى 3.4 أشهر من الواردات السلعية، وذلك مع نهاية الشهر الجاري، مقارنة بنحو 3.7 أشهر في الشهر السابق ونزولا من مستوى 8.6 أشهر واردات في 2010.

ويزيد النزيف المستمر لاحتياطي النقد الأجنبي من عدم القدرة على استيراد الواردات التي تقدر في الاقتصاد المصري بنحو 13 مليار دولار خلال ثلاثة أشهر واردات.

وتضرر الاقتصاد المصري بشدة بعدما كان وجهة مفضلة لمستثمري الأسواق الناشئة، وارتفع عجز الميزانية إلى 11% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية التي انتهت في يونيو/حزيران، ومن المتوقع أن يتجاوز العجز 10% في السنة المالية الحالية.

وتأتي هذه المؤشرات بينما يقول بعض المحللين إن تسريع الرئيس محمد مرسي وتيرة طرح الدستور للاستفتاء العام ربما بدد فرص الوصول لتوافق حول إجراءات التقشف العاجلة التي تحتاجها البلاد لإصلاح الاقتصاد المتداعي، بينها زيادة الضرائب وخفض الإنفاق، وهي إجراءات ضرورية للغاية لتقليص عجز الميزانية المتضخم.

عمرو عدلي:
تطبيق إجراءات تقشفية في ظل نظام سياسي منفتح ووجود ملايين المواطنين الذين لهم حق الاقتراع يحتاج إجماعا بين النخبة السياسية

إجماع السياسيين
ومن دون الحصول على تأييد واسع النطاق سيكون من الصعب على الحكومة تنفيذ الإصلاحات اللازمة للحصول على قرض بقيمة 4.8 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، وربما يواجه حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين معركة شرسة في الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في غضون شهرين.

وعن هذا يقول الخبير الاقتصادي عمرو عدلي إن تطبيق إجراءات تقشفية في ظل نظام سياسي منفتح ووجود ملايين المواطنين الذين لهم حق الاقتراع يحتاج إجماعا بين النخبة السياسية.

ورغم الإقرار بالحاجة العاجلة لإصلاح الاقتصاد، يقول عدلي إن الأسلوب الذي اتبعه مرسي في إقرار الدستور أغضب معارضيه ويشجع خصومه على الاستفادة من أي رد فعل شعبي مناهض للتقشف بدلا من المساهمة في إقناع الناس بالإصلاحات.

وأضاف عدلي أن خصوم مرسي السياسيين يتعاملون مع هذه المشاكل الاقتصادية "بأسلوب انتهازي للغاية". وتوقع أن يصل العجز إلى 13% ما لم يتخذ إجراء سريع.

وقال الخبير الاقتصادي لدى (إتش إس بي سي) بدبي إنه من المستبعد أن يهدئ إقرار الدستور الخلافات الحالية، غير أنه يشكل خطوة كبيرة في مخاض التحول السياسي. وأضاف أنه يمكن استئناف التقدم في برنامج صندوق النقد الدولي. لكنه أشار إلى أن تفادي اتخاذ إجراءات اقتصادية مثيرة للاستياء الشعبي أمر يصعب مقاومة جاذبيته خصوصا قبل انتخابات برلمانية.

من جهته قال رئيس حزب المصريين الأحرار عضو جبهة الإنقاذ الوطني المعارضة أحمد سعيد إن ما يفعله مرسي "وحدنا"، مضيفا أنه يتوقع تحالف المعارضة في الانتخابات البرلمانية المقبلة. ويتفق سعيد مع ضرورة اتخاذ خطوات لإصلاح الاقتصاد المصري، إلا أنه يقول إن مرسي لم يسع لمناقشتها مع معارضيه رغم أنها شأن وطني.

قيادي بحزب الحرية والعدالة:
البلاد تمر بتحديات اجتماعية واقتصادية وحان الوقت لأن يطرح الناس مبادرات والدخول في حوار وطني

ثورة وفرصة
وقال صندوق النقد الدولي مرارا إنه لا بد من التوصل لتوافق سياسي واسع النطاق على الإصلاحات حتى يوافق على القرض لمصر.

ويواجه مرسي الآن احتمال وجود معارضة تسعى لتسجيل نقاط سياسية من أي زيادات ضريبية وإجراءات لخفض الإنفاق، خصوصا تقليص دعم الوقود في بلد اعتاد فيه الأغنياء والفقراء الطاقة الرخيصة.

ونالت الانقسامات السياسية في البلاد بالفعل من الإصلاحات الاقتصادية المبدئية للرئيس، فقبل الاستفتاء بوقت قصير أقر مرسي زيادات على سلع وخدمات مثل المشروبات الكحولية والسجاير ومكالمات الهاتف المحمول وتراخيص السيارات، لكنه سحبها خلال ساعات بعد انتقادات من معارضيه ووسائل الإعلام.

في المقابل أكد القيادي في حزب الحرية والعدالة فريد إسماعيل أنه لا يمكن وصف البلاد بالمنقسمة في الوقت الذي وافق فيه ثلثا الناخبين الذين ذهبوا للاستفتاء على الدستور، ودعا جميع الأطراف للتباحث بشأن المشكلات الاقتصادية. وأضاف أن البلاد تمر بتحديات اجتماعية واقتصادية وحان الوقت أن يطرح الناس مبادرات والدخول في حوار وطني.

غير أن سقف التوقعات ما زال مرتفعا في دولة اندلعت فيها ثورة للمطالبة بالعدالة الاجتماعية وتحسين مستويات المعيشة بقدر ما كانت تطالب بالحريات السياسية.

وقالت طالبة جامعية صوتت برفض الدستور إن الشعب قام بالثورة من أجل تسهيل المعيشة وخفض الأسعار لا رفعها، في إشارة الى خطط مرسي الضريبية. وأضافت أن ذلك سيؤدي إلى "ثورة جياع".

وأكد موظف مؤيد للإسلاميين أنه مثلما ثار الناس على مبارك يمكن أن يثوروا على مرسي، ولكن يجب منحه شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة لحل مشكلاتنا ثم نرى".

المصدر : الجزيرة + رويترز