أسرة تقيم بأحد المصانع بعد أن خرجت من مسكنها بدون أي متاع (الجزيرة نت)
فراس نموس-حلب

أينما اتجهت بأحياء حلب الواقعة تحت سيطرة الجيش السوري الحر ترى المعاناة التي خلفتها حرب شنها النظام على شعبه لمطالبته بالحرية. أسر نازحة تبحث عن مأوى، أطفال لا يكادون يجدون ما يستر أجسادهم، وطوابير طويلة أمام أفران الخبز، وشبان يبيعون الوقود على جانبي الطريق.

فالكهرباء مقطوعة في المدينة منذ أكثر من أسبوعين، وأسعار غاز الطبخ ووقود التدفئة ارتفعت إلى أكثر من عشرة أضعاف ما كانت عليه، وتوقفت المصانع والأعمال، وبات الموظفون وغيرهم عاطلين عن العمل، وهجم عليها الشتاء القارس، وكثر فيها المهجرون من بيوتهم بسبب القصف.

أُسر بيت عاشور المكونة من عشر عوائل مثال على ما آل إليه حال الناس في حلب، التقتها الجزيرة نت بأحد المعامل، بعد أن فرت بأرواحها دون متاع من حيي سليمان الحلبي وكرم الجبل عقب استهدافهما.

رفض الرجال تصويرهم فلا يزالون يطمعون في الوصول إلى بيوتهم لجلب ما يستطيعون إحضاره، لكن مسنة بينهم قبلت وأكملت ما كانت تعده للجميع وهو ماء ساخن تبلل به كسرات خبز.

تشريد
لا مصدر رزق لهذه الأسر ولا مورد لإعالة أربعين نفسا وجدت في زوايا المعمل مكانا لجأت إليه برضا صاحبه، ليقيها المطر دون أن يشبعها ويسترها دون يدفئها، وترى أنها أوفر حظا من غيرها.

بجانب مستقرهم تمكث أسرة في باحة مصنع مكانا لنصب خيمتها، هي أيضا نزحت من كرم الجبل، ووصلها من ناشطين في الإغاثة أغطية، لكنها شأن مئات الأسر بلا مورد رزق أو تدفئة.

ولا تقتصر المعاناة على من هجروا، بل من بقوا في بيوتهم يعانون من البطالة وانقطاع الماء والكهرباء وفقدان سائر الخدمات المجتمعية، من صحة وبلدية، إضافة إلى شح المواد الغذائية والغلاء الذي أصاب كل شيء.

يقول مسؤول المكتب الإغاثي في لواء التوحيد أبو أحمد نور إن الحاجة بدأت تهدد حياة الناس وقيمها، وإن ما يقدم من مساعدات لإغاثة الناس لا يفي بالحد الأدنى، وما يعطى للناس لا يشكل عُشر احتياجهم الحقيقي.

وأضاف أنهم في مكتب الإغاثة يحاولون تأمين بيوت بديلة للذين قصفت منازلهم، فهناك منازل لضباط مع النظام فروا من بعد دخول الجيش الحر حل فيها نازحون، وكذلك تم تسكين جزء منهم في المباني العامة للدولة، ولكن بقي منهم كثير بلا مأوى.

أبو أحمد نور: توفير الطحين للمخابز أصبح تحديا حقيقيا يواجه أهالي حلب (الجزيرة نت)

الاحتياجات الأساسية
وأوضح أنهم يقومون أحيانا بعمليات توزيع على المحتاجين ولكن أسرا يمنعها حياؤها من الوصول إلى سيارة الإغاثة رغم حاجتها الماسة "ولذلك نحاول الوصول إلى بيوت وأماكن المتضررين بأنفسنا وتوزيع الخبز بأنفسنا على هذه الأسر وفقا لدفتر العائلة ليصل للشخص رغيفين في اليوم".

وأزمة الخبز والحياة هذه أصابت الناس في مقتل كما يقول نور الذي تحفظ على ذكر حوادث "أصابت العفيفات من نساء سوريا". وأضاف بتهكم أنه "لو وصل إلى حلب حصتها مما تعلن دول عن منحه لسوريا لكان الحال غير ذلك بالتأكيد".

وعن التحديات الحالية التي تواجههم هم ومكاتب الإغاثة العاملة في حلب، قال نور إنها كثيرة لكن يأتي على رأسها وقود التدفئة والكهرباء، غير أن التحدي الحقيقي يبقى في توفير الطحين للمخابز، إذ أن الخبز هو المادة الأساسية في سوريا.

وأوضح أن هناك مخزونا كافيا من القمح بالمناطق التي بيد الثوار، ولكن معظم المطاحن لا يعمل بسبب عدم توفر الكهرباء أو الوقود، وتلقي كثير من ملاك المطاحن تهديدات بالقصف من النظام في حال شغلوا مطاحنهم، إمعانا في إيذاء المدنيين.

وقال إن ما يستطيعون تأمينه نحو مائتي طن يوميا في حين أن حاجة حلب 1200 طن وفق البيانات المأخوذة من سجلات مؤسسة المطاحن، وهناك مفاوضات مع تركيا لتيسير الطحن عندها "ولكن لم نصل لشيء حتى الآن".

أما الشق الصحي فهو "كارثي" كما يقول نور، إذ لا مستشفيات مجهزة بما يحتاجه المرضى ولا عيادات مفتوحة، والجريح الذي يضطر الثوار لنقله إلى تركيا تبقى أسرته بلا معيل، مما يضعها تلقائيا على قائمة أهل الحاجة، وهو هناك له مصاريفه من طبابة ودواء، وكثيرا ما تتأخر عمليات جراحية بسبب نقص في المال.

وحال حلب هذا ليس حكرا عليها بل تعاني منه -على تفاوت- معظم المناطق السورية الواقعة تحت سيطرة الجيش الحر، الذي وجد نفسه يخوض معارك على كل الجبهات العسكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وعليه أن ينجح فيها جميعا إن أراد الحفاظ على قاعدته الشعبية والوصول لهدفه.

المصدر : الجزيرة