لاجئون من الروهينغا تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم أثناء فرارهم إلى ماليزيا الشهر الماضي (الفرنسية)

أخذت حوادث الحلقة الأحدث في مسلسل مأساة مسلمي الروهينغا صيف 2012 طابعا موغلا في الدموية، كاشفا عن نمط عنف "وإرهاب الرهبان البوذين" بحقهم، وتنكر النظام لهم، وجوار فقير مأزوم لا يرغب في مد يد العون حتى لو استطاع، ومواقف دولية وإقليمية تكتفي ببيانات إبراء الذمة التي لا تحقن دما أو تنصر مهاجرا، أو تؤوي لاجئا، أو تطعم جائعا، أو تحفظ عرضا من الانتهاك. 

وتشير تقديرات إلى مقتل عشرين ألف مسلم في غمار المذابح المستمرة منذ يونيو/حزيران الماضي وسط تعتيم تفرضه السلطات المحلية، في حين ترفع بعض الإحصاءات هذا العدد إلى سبعين ألف شخص. 

يتداخل الجغرافي مع التاريخي والعرقي مع السياسي والإقليمي مع الدولي ليزيد هذه المأساة تعقيدا، لتجاهلها عبر السنين، حتى وصلت إلى حد التطهير العرقي والإبادة الجماعية على مرأى ومسمع من العالم ويذكر أن أعداد المسلمين في ميانمار تتراوح ما بين خمسة وثمانية ملايين نسمة يعيش 70% منهم في إقليم راخين، وذلك من ستين مليون نسمة هم إجمالي تعداد السكان في البلاد.

الحلقة الأخيرة تعيد للأذهان مذبحة عام 1942 التي ارتكبها الرهبان البوذيون بحقهم وبتحريض من المستعمر البريطاني, وراح ضحيتها مائة ألف مسلم، شمالي إقليم راخين (أراكان سابقا) ومنذ ذلك التاريخ وحتى الوقت الحالي يعاني هؤلاء المنسيون، ففي بورما (ميانمار) لا يقف الأمر عند حرمانهم من حق المواطنة فهم عرضة دائما للتطهير العرقي والتقتيل والاغتصاب والتهجير الجماعي الذي لا يزال مستمرا حتى اللحظة.

لم يكن غريبا والحال كذلك أن تزداد أوضاع الروهينغا سوءا بعد أن نالت ميانمار استقلالها عن بريطانيا في عام 1948، حيث تعرضوا لأبشع أنواع القمع والتعذيب. كرسه قانون الجنسية الصادر عام 1982، والذي ينتهك المبادئ المتعارف عليها دولياً بنصه على تجريد الروهينغا ظلماً من حقوقهم في المواطنة.

وترتب عن هذا القانون حرمان مسلمي الروهينغا من تملك العقارات وممارسة أعمال التجارة وتقلد الوظائف في الجيش والهيئات الحكومية، كما حرمهم من حق التصويت بالانتخابات البرلمانية، وتأسيس المنظمات وممارسة النشاطات السياسية.

وفرضت الحكومات المتعاقبة في ميانمار ضرائب باهظة على المسلمين، ومنعتهم من مواصلة التعليم العالي، إضافة إلى تكبيلهم بقيود تحد من تنقلهم وسفرهم وحتى زواجهم. كما تشير تقارير إلى أن السلطات قامت في 1988 بإنشاء ما يسمى "القرى النموذجية" في شمالي راخين، حتى يتسنّى تشجيع أُسَر البوذيين على الاستيطان في هذه المناطق بدلا من المسلمين.

يقدر ناشطون من أقلية الروهينغا المسلمة في ميانمار عدد من تشرد منهم في العالم بأكثر من مليوني لاجئ، هُجروا من ولاية أراكان في غربي ميانمار في العقود الستة الماضية. وبسبب غياب الفرص التعليمية للمسلمين في ميانمار في أراكان وكذلك في الشتات فإن قليلا منهم أكمل دراساته العليا. من هؤلاء عالم الكيمياء الروهينغي الدكتور عبد الحميد موسى علي الذي لم يجد سوى العمل في الدفاع عن قضية الروهينغا قبل العمل في تخصصه. 

ولم يكن الجانب الديني والعقائدي بمنأى عن تلك الإجراءات القمعية، حيث تشير مختلف التقارير إلى قيام سلطات ميانمار بتهديم مساجد ومدارس دينية في المناطق التي يقطنها الروهينغا، إضافة إلى منع استخدام مكبرات الصوت لإطلاق أذان الصلاة، ومنعهم من أداء فريضة الحجّ باستثناء قلة من الأفراد.

نقص حاد في الغذاء يهدد حياة اللاجئين المسلمين في ميانمار (الجزيرة)

إن السلطات الأمنية في ميانمار بدأت بملاحقة علماء الدين وطلاب الشريعة في أراكان وزجت بعشرات منهم في السجون، في حين هددت حركة طالبان الباكستانية بمهاجمة ميانمار لحماية المسلمين من عرقية الروهينغا.

وأضافت المصادر أن هناك حملة منظمة لمنع المسلمين من التوجه إلى المساجد لأداء صلاة التراويح وبقية الصلوات، وأنها ازدادت خلال أيام شهر رمضان. 

ورغم حدوث ما يشبه الانفتاح في ميانمار خلال السنوات الأخيرة، زادت أوضاع الروهينغا سوءا وأصبحت قضيتهم تتصدر عناوين الأخبار جراء القمع والتهجير الجماعي الذي يواجهونه.

تجدد قمع المسلمين في مايو/أيار الماضي بعد اتهامهم بالوقوف وراء حادثة اغتصاب وقتل امرأة بوذية، حيث اعتقلت الشرطة ثلاثة منهم، وتبع ذلك مطاردات وهجمات أسفرت عن مقتل العشرات من المسلمين في موجة العنف التي اندلعت بعد الحادث.

وحسب ما ذكرت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في وقت سابق فإن قوات الأمن في ميانمار نفذت اعتقالات جماعية بحق المسلمين ودمرت آلاف المنازل. وحاول النازحون الهرب عبر نهر ناف إلى بنغلاديش المجاورة. وتوفي البعض أثناء العبور.

مع العلم أن السلطات لا تقدم أرقاما دقيقة عن عدد القتلى، بينما وصفت وسائل الإعلام في ميانمار المسلمين في بداية الاحتجاجات بالإرهابيين والخونة. 

كما جاء في تقرير أخير للمفوضية العليا للاجئين أن الروهينغا يتعرضون لكل أنواع "الاضطهاد"، ومنها "العمل القسري والابتزاز وفرض القيود على حرية التحرك، وانعدام الحق في الإقامة وقواعد الزواج الجائرة ومصادرة الأراضي".

وقالت المفوضية إن هذا الوضع دفع عددا من المسلمين إلى الفرار، وأشارت إلى أن المؤسف أن هؤلاء غير مرحب بهم عموما في البلدان التي يحاولون اللجوء إليها.

كما تصفهم الأمم المتحدة بأنهم إحدى أكثر الأقليات تعرضا للاضطهاد في العالم.

ورغم الاعتراف الأممي بالوضع المأساوي لمسلمي ميانمار فإن رئيس هذه الدولة ثين سين لم يحرك ساكنا وإنما طلب من الأمم المتحدة إيواءهم في مخيمات لاجئين، حيث قال خلال لقائه مع مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين أنتونيو غوتيريس "إن الحل الوحيد لأفراد هذه العرقية يقضي بتجميعهم في مخيمات للاجئين أو طردهم من البلد".

"ليس ممكنا قبول الروهينغا الذين دخلوا بطريقة غير قانونية وهم ليسوا من إثنيتنا".

وكان ثين سين قد تبنى سياسات يمكن اعتبارها توصيات بالتطهير العرقي. وقال يجب وضع الروهينغا البالغ عددهم ثمانمائة ألف في معسكرات ونقلهم إلى الحدود مع بنغلاديش.

الأزمة كشفت تواطؤ القيادية المعارضة الميانمارية أونغ سان سو تشي بصمتها ورفضها التحدث ضد انتهاك حقوق المسلمين الروهينغا من جانب العسكريين في بلادها.

المصدر : الجزيرة