مخيم أطمة يضم لاجئين سوريين فارين من قصف النظام (الجزيرة نت)

فراس نموس-مخيم أطمة

اسمه مخيم أطمة، قدره أن يكون البرهان على تخاذل هيئات الإغاثة العربية والدولية، سكانه سوريون وسوريات هتفوا للحرية فدكت بيوتهم وكان مصيرهم خيام لا تقي من قر أو تظل من حر، منصوبة في العراء على الحد الفاصل بين سوريا وتركيا، فراشهم الطين ولحافهم زمهرير الشتاء.

يعيش في المخيم أكثر من عشرة آلاف لاجئ ويمكن أن يتسع لآلاف غيرهم، فلا جدران تحده، والسهل فسيح، ولا يلزم لإضافة أسرة أو أسر فيه إلا براميل متفجرة يلقيها طيارو النظام السوري على بيوت المدنيين ليفر من نجا منهم إلى المخيم، خيمة وحصيرة وما تيسر من غطاء، ويكون عدد الأسر قد زاد واحدة.

قبل يومين وصل إلى المخيم 115 عائلة محمولة في حافلات تركية بعد أن حاولت عبور الحدود، بحثا عن ملجأ خير من أطمه، لكنه كان مصيرها في النهاية، ومثل وصول هذا العدد دفعة واحدة عبئا على المخيم، وفق ما قاله مسؤول الأمن فيه النقيب أبو محمود، فكان نصيب الأسرة منهم ثلاثة أغطية وخيمة إن وجدت وإلا تقاسموا خيمة مع من سبقهم.

لا بناء في المخيم، ولا أرض ممهدة أو مفروشة بالحصى، وإنما أرض زراعية دقت فيها أوتاد ونصبت خيام وتحولت في الشتاء إلى مزالق من الطين وساحات من الوحل، لكأن الشاعر قصد سكانه بقوله: إذا اعتاد الفتى خوض المنايا    فأهون ما يمر به الوحول. 

النقيب أبو محمود يقول إن المخيم بحاجة لأن تتبناه  مؤسسة إغاثية (الجزيرة نت)

وجبتان
يصيب أهل المخيم الطعام مرتين في اليوم، وجبة في الصباح تصلهم من الهلال الأحمر في تركيا، ووجبة في المساء تعد في مطبخ المخيم، وتوزع على السكان بما تيسر من وسائل نقل فتارة بسيارات وأخرى بعربات البناء وثالثة يحمل فيها الأكل في "سطول" يتسلمها مسؤول القطاع -وهو خمسون خيمة- ليصبها في أواني الجوعى في الخيام.

يقول أحد الغاضبين من الوضع في المخيم للجزيرة نت إن نصيبه مع عشرة أشخاص كان ستة من حبات البطاطا فقط، ورفع وتيرة الشكوى لينتقد الملابس الموزعة عليهم فهي في مجملها ملابس صيفية وفوق ذلك مشققة، وأقسم أنه لو ملك أجرة الطريق لرحل إلى قريته ليموت تحت القصف، مدللا على موقفه بمظاهرة اندلعت فجأة عمادها الأطفال جابت المخيم هاتفة بشعارات الثورة غضبا من شح الماء.

بيد أن هذا الموقف رفضه كثيرون فالسيد أبو محمد النازح من إدلب وهو أب لأربعة أطفال ويسكن في المخيم من شهرين قال إنه سعيد رغم صعوبة الحياة في المخيم وسوء التجهيزات التي كشف عوارها الشتاء القارس، وفقدان التدفئة والملابس الشتوية وندرة الماء الصالح للشرب، ويكفيه أن يرى أطفاله آمنين بعيدين عن القصف.

هيئات الإغاثة
عن هذا الوضع يقول النقيب أبو محمود -وهو قائد كتيبة سعد بن معاذ- إن المخيم بحاجة لأن تتبناه مؤسسة إغاثية أو إدارة ما تعمل على التواصل مع المؤسسات الخيرية وتنسق جهود الخيرين وتوفي المخيم حاجاته، وعزا كثيرا من المشكلات لعدم وجود إدارة تأخذ على عاتقها المخيم وحاجاته.

ويضيف أن المصاريف اليومية للحد الأدنى من الحياة يصعب تأمينها، فالمخيم بحاجة إلى نحو عشرين صهريجا من ماء الشرب المستخرج من قرية أطمة، بالإضافة لتكاليف سحب الماء من الجب في ظل ارتفاع جنوني في أسعار الوقود، يجمع لها غاز الطبخ وطن من الأرز أو طنان من الخضار يوميا.

ودعا المؤسسات الإغاثية إلى العمل على توفير وسائل للتدفئة توزع على الخيام، ومد المخيم بالأغطية والملابس الشتوية وما يناسب المنطقة والجو من أحذية، والعمل على إيجاد حل لمشكلة الطين برصف المنطقة والتفاوض مع الدولة التركية على ذلك إذ إنها رفضت عروضا سابقة من مانحين أبدوا استعدادهم لرصف المخيم.

ويقول أبو عبد الله -المسؤول في المخيم أيضا- إن متبرعين من ْتركيا وقطر والإمارات والكويت وليبيا زاروا المخيم ولبوا مشكورين كثيرا من حاجياته، لكن عدد اللاجئين يرتفع والطقس يزداد سوءا والمشاريع بحاجة لاستمرارية في العطاء والمتابعة والإدارة، ولا تكفي زيارة واحدة أو تبني مشروع دون توفير لوازم تشغيله كالأفران مثلا.

ورغم هذا الوضع فإن المتطوعين القائمين على المخيم يبذلون ما في وسعهم لتسهيل حياة الناس فيه، فهناك مسجد ومدرسة ومطبخ -وكلها خيام- يقوم عليها متطوعون يصلون الليل بالنهار لجعل حياة اللاجئين أسهل وأيسر، ولا يتلقون مقابل ذلك أي مردود مادي.

مظاهرة للأطفال في مخيم أطمة احتجاجا على شح المياه (الجزيرة نت)

مركز طبي
أما المستوصف الطبي والذي كان خيمة حتى ثلاثة أيام خلت فيقوم عليه خمسة أطباء وأربعة ممرضين، وتتوفر فيه سيارة إسعاف، ويعالج حالات نزلات البرد والتهاب القصبة الهوائية والإسهال الذي يصيب كثيرا من اللاجئين بسبب البرد وسوء التغذية حسبما قال للجزيرة نت الدكتور يحيى عثمان.

وأضاف عثمان أن المستوصف بحاجة إلى دعم كبير سواء على صعيد الأجهزة الطبية أو مولدات الكهرباء ومصاريف تشغيلها، أو على مستوى الأدوية وخصوصا المضادات الحيوية وما يتعلق بالتهاب الصدر والشعب الهوائية، وكذلك المطهرات وأدوية الجرب والقمل التي يجب وصفها للمخيم قاطبة إذ لا معنى لعلاج الحالات الفردية في ظل إصابة معظم اللاجئين.

ويعمل الطاقم الطبي في المستوصف حتى الساعة السادسة مساء لعدم توفر الكهرباء وغلاء وقود المولد، غير أن ممرضا مناوبا يبقى فيه للحالات الطارئة. وتلاقي الخدمات الطبية استحسان وشكر اللاجئين الذين التقتهم الجزيرة نت، خصوصا وأن التشخيص والدواء مجاني.

وما بين شتاء حشد جحافله ومرض سن مخالبه يتدرع لاجئو أطمة بالصبر إذ لا حيلة لهم سواه، طمعا في وقفة عربية إنسانية مع معاناتهم، أو أملا في سقوط نظام أخرجهم من ديارهم، لتنتهي بذلك رحلة شقائهم، فلا كان اللجوء إلى الجبال الجرد هدفا ولا ترك الوطن بالنسبة لهم مطلبا.

المصدر : الجزيرة