شرفة قلعة طرابلس التي كان يلقي منها القذافي خطاباته (الجزيرة نت)
 
المختار العبلاوي-طرابلس

من هذه الشرفة العالية في مبنى السرايا الحمراء أو "قلعة طرابلس" المطلة على "ساحة الشهداء" حاليا، "الساحة الخضراء" زمن الحقبة الجماهيرية، ألقى العقيد الليبي الراحل معمر القذافي مباشرة خطابه الشهير "ارقصوا وغنوا واستعدوا" الذي نقلته حينها معظم القنوات الإخبارية.

كان الجو يومها باردا في 25 فبراير/شباط 2011، عكس المعارك الساخنة على الجبهات حيث كان الثوار يزحفون باتجاه القذافي الذي شارفت حينها صفحات كتابه الأخضر على الاحتراق.

"لقد أتيت لأحييكم.. وعيشوا حياة العز" قالها القذافي، واستنشق الليبيون الحرية والكرامة. وبقيت الشرفة العالية بقلب طرابلس شاهدة على تحقيق إرادة الشعوب.

فالقلعة التي تمتد على مساحة 1300 متر مربع، يروي تاريخها حكايات إمبراطوريات ودول استقرت هنا فترة من الزمن. بلغت من الأوج ما بلغته قبل أن تغيب شمسها.

تخبرنا بعض المراجع أن قلعة طرابلس بنيت على بقايا مبنى روماني ضخم، وطوال قرون من الزمن، ساهمت كل حضارة وجدت بالمكان في إكمال بناء هذا الصرح المعماري.

فخلال عهد الفتوحات الإسلامية، تقدم المسلمون نحو طرابلس بقيادة عمرو بن العاص في سنة 21هـ الموافق 642م، لكنهم اصطدموا بسور المدينة، ولم يتمكنوا من دخولها إلا بعد حصار دام شهرا.

غير أن القلعة في شكلها الحالي كانت من إخراج الإسبانيين الذين احتلوها سنة 1510، بقيادة دي نفارو، واهتموا بالأسوار تدعيما وبناء، وصبغت بالأحمر، لتسمى باسمها الجديد "السرايا الحمراء".

ساحة الشهداء التي كانت تسمى الساحة الخضراء زمن القذافي (الجزيرة نت)

ساحة الشهداء
في العهد العثماني، تحولت القلعة إلى مقر للوالي حاكم البلاد. وخلال هذه الفترة، أُدخلت تحسينات على الواجهة الخارجية حيث ارتفعت أبراج جديدة، ونصبت فوقها مدافع تعزيزا لحماية طرابلس من أي غزو أجنبي.

ومع كل حقبة زمنية، تطرأ على القلعة تحسينات تستجيب لذوق ومتطلبات كل أسرة حاكمة استقرت بها، فبعد الإيطاليين جاء البريطانيون الذين حولوها سنة 1948 إلى متحف للآُثار الليبية.

اليوم وبعد انهيار نظام العقيد الذي عمّر لأزيد من أربعة عقود، يمر الآلاف من الليبيين يوميا أمام هذه الشرفة المطلة على "ساحة الشهداء" قاصدين المدينة القديمة بأسواقها العامرة وتجارتها الرائجة. بعضهم يتوقف لبرهة يتأمل الشرفة ثم ما يلبث أن يكمل طريقه، والبعض الآخر يمر دون أن يكثرت، فالقذافي "راح وانتهى" يقول أحد الليبين.

التقت الجزيرة نت بالشاب محمد الترهوني، مارا بالقرب من الساحة. ولم يكن من بين الحاضرين يومها حينما ألقى القذافي خطابه فهو معارض لذلك النظام.

نهاية طاغية
عدنا معه إلى الوراء حينما كانت هذه الساحة ملأى بـ"أنصار القذافي"، وصف هذه اللحظات بالقول "لما كان القذافي يلقي خطابه، ضحكت، وضحكت بقوة. قلت له في نفسي، لقد انتهيت يا قذافي، لا أمل لك في البقاء".

يتوقف الترهوني برهة عن الحديث يتأمل الشرفة بعينه قبل أن يسترسل "حينما استمعت إلى خطابه عبر الإعلام، قلت سبحان الله، كنت واثقا من أننا سننتصر، وأن نظام العقيد سيسقط لأن لكل طاغية نهاية".

وفي شهادة أخرى قال مواطن ليبي طلب عدم ذكر اسمه، إن "خطاب العقيد يومها كانت كذبة أخرى تنضاف إلى كذبه المتواصل على الشعب الليبي طوال أربعين سنة".

أما الناجي الضاوي شكري من مدينة زليتن، فقال إن القذافي الذي خاطب يومها مئات الليبيين الذين اجتمعوا أو جُمعوا بالساحة "أنا العزة، أنا الكرامة.. حولوا ليبيا إلى نار جمر حمرة" لم يكن يدري أن القلعة التي كان يعتلي أعلاها، بنيت لحماية المدينة وقاطنيها وليس للذود عن شخص واحد.

كذلك لم يضع في الحسبان وهو واقف في تلك الشرفة وقد ضاق عليه الخناق، أنها شهدت في تاريخها سقوط دول وقيام أخرى، وأن ليبيا جديدة في طور التشكل.

صدق نفسه أنه معشوق الملايين ومضت الأيام سريعة، وانهارت جماهيريته على يد الجماهير. "إذا لم يحبني شعبي، فأنا لا أستحق الحياة" قالها القذافي، وفعلها الثوار.

المصدر : الجزيرة