الحواجز والأسلاك الشائكة منتشرة بكثرة في شارع محمد محمود (الجزيرة نت)

مصطفى رزق-القاهرة

أسلاك شائكة وحواجز حديدية وخراسانية، رسوم غرافيتي وشعارات مناهضة للحكومة والعسكر والإخوان، عشرات الجنود والضباط المدججين بالسلاح، حالة تأهب أمني طوال اليوم. شوارع مغلقة وطرق تم تحويلها لأخرى بديلة.

هذا هو المشهد الذي أصبح عليه شارع محمد محمود بالقاهرة الذي يستمد اسمه من اسم صاحبه محمد محمود باشا، الملقب بـ"الرجل الحديدي", الذي شكل الوزارة أربع مرات بالعهد الملكي، وشغل فيها منصب وزير الداخلية، وكان معروفاً باستخدام القوة، ليظل شاهدا على عدد من المعارك والمواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين على مدى العامين اللذين أعقبا ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

تكمن الأهمية الإستراتيجية والأمنية لشارع محمد محمود بكونه الطريق الأقصر من ميدان التحرير لمقر مبنى وزارة الداخلية القابع بشارع الشيخ ريحان، فضلا عن أنه يضم مجمّع مباني الجامعة الأميركية كما توجد به إحدى المدارس الفرنسية وعدد من المطاعم الأميركية.

ولا تزال بقايا المعارك والمواجهات التي شهدها الشارع بين قوات الأمن والمتظاهرين منذ اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني حاضرة بقوة، وقعت أول هذه المواجهات باليوم نفسه الذي اندلعت فيه الثورة التي أطاحت بالنظام السابق، واستمرت حتى جمعة الغضب وأسفرت بالنهاية عن مقتل وإصابة العشرات.

تحول الشارع إلى رمز من رموز الثورة المصرية (الجزيرة نت)

تلا ذلك أحداث أخرى بالشارع نفسه، استخدمت فيها قوات الشرطة أنواعا مختلفة من الأسلحة شملت الخرطوش والرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع، لصد المتظاهرين الذين حاول بعضهم اقتحام وزارة الداخلية وبدؤوا بإلقاء الحجارة على قوات الأمن التي بدورها أقامت جدارا خراسانيا لمنعهم من التقدم تجاهها.

امتلأت جدران الشارع سواء تلك المحيطة بمبنى وزارة الداخلية أو الجامعة الأميركية وغيرهما بعبارات ورسوم تدين النظام الحاكم، منذ الرئيس السابق حسني مبارك مرورا بـالمجلس العسكري الذي تولى إدارة شؤون البلاد بعد تنحي مبارك، ووصولا للرئيس الحالي محمد مرسي، الذي يواجه منذ تنصيبه معارضة شرسة من القوى والتيارات المدنية الليبرالية.

متحف ثوري
"امسح كمان يا نظام جبان"، "القصاص أو الفوضى"، "جابر جيكا دمك مش هيروح.. شرارة ثورة من جديد"، "الحرية للمعتقلين"، "لا دستور تحت حكم العسكر"، "حداد على شهداء الأهلي".. أمثلة من الشعارات التي كتبها المتظاهرون على الجدران، إضافة إلى رسوم أخرى انتقدت بشدة أحداثا بعينها مثل قضية كشوف العذرية وأحداث بورسعيد التي سقط خلالها نحو سبعين قتيلا، وهي قضايا أثارت جدلا واسعا بالشارع المصري ولا سيما على المستوى الإعلامي.

كانت أبرز الأحداث التي شهدها هذا الشارع الذي صارت له شهرة واسعة منذ الثورة، تلك التي وقعت في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، واستمرت لستة أيام، استخدمت الشرطة خلالها الهراوات والصواعق الكهربائية والرصاص المطاطي والخرطوش والرصاص الحي، بينما استخدم المتظاهرون الحجارة والألعاب النارية وقنابل المولوتوف.

بعض الرسوم التي تنتقد أداء المجلس العسكري (الجزيرة نت)

أدت هذه الأحداث بالنهاية لسقوط عدد كبير من القتلى والجرحى، وكان الكثير من الإصابات بالعيون والوجه والصدر، وهو الأمر الذي أثار انتقادات حقوقية محلية ودولية.

وباليوم نفسه من العام التالي 2012، تجمع عدد كبير من المتظاهرين والنشطاء وأهالي القتلى والمصابين، بمحاولة لإحياء ذكرى هذه الأحداث، والمطالبة بالقصاص للشهداء، غير أن الأمر الذي بدأ سلميا تحول شيئا فشيئا لمواجهات أخرى دامية سقط فيها أحد عناصر حركة 6 أبريل ويدعى محمد جابر (جيكا)، الأمر الذي أعاد الشارع للواجهة السياسية والإعلامية مجددا.

هدوء مصطنع
اليوم وبعد مرور ما يقرب من شهر على آخر الأحداث التي شهدها، تسيطر على الشارع حالة هدوء تبدو مصطنعة، في حين تنتشر عشرات السيارات المصفحة وناقلات الجنود التابعة للأمن المركزي.

يقف الجنود بزيهم الرسمي وآخرون بزي مدني، لكن يمكن بسهولة شديدة -وربما مقصودة- رؤية  الأسلحة التي يحملونها. ينتشر بعضهم خلف سياج من الأسلاك الشائكة والحواجز الحديدية، ويقف آخرون بمناطق متفرقة من الشارع وصولا لنهايته أمام مبنى وزارة العدل.

يجلس هؤلاء يراقبون حركة المارة تحسبا لتجمعات جديدة قد تفضي لمواجهات مع قوات الأمن، يمنعون التصوير بالشارع الذي وصفه أحد أمناء الشرطة الذي تحدث للجزيرة نت بأنه تحول لثكنة عسكرية نتيجة الأحداث الدامية التي شهدها خلال العامين الماضيين.

لا يرغب أي مصري بتكرار أحداث محمد محمود التي أضحت عاملا مشتركا بكل حديث عن الثورة، وبكل متحف أقامه الثوار لتوثيق أحداثها وشهدائها ومصابيها، لكنهم أيضا لا يريدون نسيان هذه الأحداث والدماء التي ساهمت بشكل كبير بنجاحها، ولعل هذا هو السبب بإصرارهم على إعادة كتابة ورسم كل ما تقوم الجهات الأمنية بإزالته من جدران وزارة الداخلية.

المصدر : الجزيرة