في سيدي بوزيد.. لا شيء تغير
آخر تحديث: 2012/12/17 الساعة 22:08 (مكة المكرمة) الموافق 1434/2/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/12/17 الساعة 22:08 (مكة المكرمة) الموافق 1434/2/4 هـ

في سيدي بوزيد.. لا شيء تغير

معظم شباب سيدي بوزيد أكدوا أن لا شيء تغير بمدينتهم بعد مرور عامين على الثورة (دويتشه فيلله)

اخترنا زيارة محافظة سيدي بوزيد يوم السوق الأسبوعية للاطلاع على أوضاع الناس هناك. توغلنا في الطريق القادمة من الجنوب الشرقي الذي يشهد أشغالا توسعة كبيرة كأغلب طرقات المنطقة.

وفي أحد المنعطفات الجبلية بين غابات الصنوبر اضطرتنا سيارة تهريب بنزين كانت تسير بسرعة جنونية للخروج عن الطريق وسط غبار كثيف. ويكثر في هذه الربوع، وفي عدة محافظات على الحدود الجزائرية والليبية، تهريب البنزين وبيعه على الطرقات في محلات مفتوحة للعموم وبأسعار أقل من أسعار السوق، وذلك رغم تذمر أصحاب المحطات المصرح لها قانونا وسط صمت السلطة المحلية.

توقفنا قليلا على حافة الطريق، فبادرنا راعي غنم كان يرقب المشهد عن قرب بالحديث. استغربنا وجوده هناك فسألناه عن سبب رعيه في الغابات التابعة للدولة رغم أن القانون التونسي يمنع ذلك.

تهرب محمد الصالحي -محدثنا- من الإجابة، وقال "ما دامت الأشجار كبيرة فلا يضر الرعي بالغابات". وسألناه ماذا تغير في سيدي بوزيد بعد عامين من الثورة؟ فأشار إلى أن لا شيء تحقق، فالثورة التي قام بها "الزواولة" (ضعاف الحال) من أجل الخبز والكرامة، عمقت آلام الفقراء عوض معالجتها. وقد بيّن لنا مظاهر غلاء المعيشة مقارنا أسعار الخضر واللحوم اليوم بما كانت عليه في عهد الرئيس المخلوع. ولم يكن الرجل يتحسر على هذه الفترة، ولكن غلاء الأسعار جعله يستشهد بها.

مظاهر التجارة غير المنظمة زادت
بعد الثورة داخل المدينة (دويتشه فيلله)

تجارة فوضوية
تفاقم ظاهرة التجارة الموازية أو "الفوضوية" من مظاهر مرحلة ما بعد الثورة.

واصلنا طريقنا إلى سيدي بوزيد، ودخلنا مركز المحافظة. كانت الأسواق عامرة والناس كل منصرف إلى نشاطه غير مكترثين بذكرى الثورة ولا بالبرنامج الثقافي والاحتفالي الذي ستشهده المنطقة بهذه المناسبة، فلا صور البوعزيزي ولا لافتات تمجيد الثورة التي كتبت بعدة لغات شدتهم.

غير بعيد عن السوق، وفي الساحة الذي اتخذها البوعزيزي لعربته، تكاثرت أعداد عربات الخضار والغلال حتى أنه يخيل للزائر أن المكان أصبح سوقا شعبية للخضار والفواكه، وأن قانون التجارة لا يطبق في المحافظة. ويعد تفاقم ظاهرة التجارة الموازية، أو "الفوضوية" غير المنظمة، من مظاهر مرحلة ما بعد الثورة، وقد أثرت كثيرا على محلات التجارة وأصحاب الأعمال وعلى حركة المرور بالمدينة.

وقبالة مركز المحافظة امتدت كراسي أحد المقاهي لتصل الرصيف وتشكل فضاء للقاء بين الشباب والناشطين والمواطنين الذين يقصدون مركز المحافظة لقضاء شؤونهم. وتشكل المقاهي في سيدي بوزيد الفضاء "الثقافي" الأكثر شعبية. جلسنا في أحد المقاهي إلى أنور ووائل، من الشباب العاطل عن العمل. وفي حديثهم قالوا إن الأمل قد عاد لهم منذ مدّة مع اعتماد نظام توظيف يرتكز على العمر وسنة التخرج، وأن الأولوية ستكون لهم حتما في قادم الأيام وهم الذين أمضوا سنوات بطالة مطولة.

وعلى الجادة المقابلة لأحد أبواب مركز المحافظة تحدثنا للطفي العماري، عاطل عن العمل، اتخذ خيمة ليعتصم فيها وبعض رفاقه العاطلين عن العمل. ويقول لطفي إنه كان يعمل بالحظائر، ولكنه وقع الاستغناء عنه رغم أنه يعيل ثلاثة أطفال ويعيش أوضاعا اجتماعية صعبة. ويقول إنه عانى في السابق لانتمائه لحزب معارض وهو يعاني اليوم في ظل الثورة.

وتزين هذا المشهد العام المتميز بضعف سلطة الدولة واليأس الممزوج بالأمل، قوافل الصحفيين والمراسلين التي بدأت تصل المدينة لإحياء ذكرى الثورة. ويرى بعض المثقفين أن موسم "الحج" إلى سيدي بوزيد قد حلّ وأن رئيس الجمهورية من المتوقع أن يصل للمدينة ليحتفل بذكرى يوم 17 ديسمبر/كانون الأول. ولكن السؤال الذي يطرحونه، ماذا يحمل للمدينة؟ وهل هناك فعلا مشاريع قد تغير واقع الناس وظروفهم؟

سكان سيدي بوزيد لا زالوا يعانون أزمة البطالة رغم الوعود (دويتشه فيلله)

لا شيء تحقق
وفي وسط الشارع الرئيسي بالمدينة، قدّم لنا بعض المتطوعين من الشباب برنامج مهرجان الثورة الذي يمتد من 15 إلى 19 ديسمبر/كانون الأول الجاري. سألنا أحدهم، وكان على ما يبدو من أنصار أحد التيارات الدينية، عن برنامج المهرجان، فأجابنا "أنه لا يقدم شيئا للمنطقة وأنها قد ازدادت فقرا منذ الثورة"، وأمام استغرابنا أضاف "أنه يعمل مقابل عشرة دنانير لتوزيع هذه المطويات لا غير".

أما معزّ الصالحي، عضو هيئة المهرجان، فأكد أن برنامج الدورة الحالية يجمع الثقافي بالفني والاقتصادي ويلبي أذواق مختلف الناس الفنية والأدبية، إلى جانب طرح إشكاليات ومعوقات التنمية والاحتفاء بالثورات العربية في كل من ليبيا ومصر واليمن.

ولا يوافقه حافظ العيفي -وهو أحد المستقيلين من هيئة المهرجان- على ذلك، إذ يبين أن أسباب استقالته وعددا من رفاقه تعود "لسيطرة الجانب السياسي على البرمجة واعتماد عدة فقرات مسقطة". ويتساءل لماذا وقع التركيز على الجانب الاحتفالي والثقافي ولم يقع التركيز على الجانب التنموي؟ ويبين العيفي أن الثورة اندلعت منذ سنتين لتغيير مستوى التنمية وتعزيز الكرامة والحرية، ولكن النتيجة التي وصلنا إليها مزيدا من الاضطهاد والتهميش و"الحقرة" (الاحتقار).

ويرى يوسف جلالي، منسق هيئة حماية الثورة بسيدي بوزيد، أن "الحكومات قد تعاقبت وبقي الوضع في سيدي بوزيد على حاله، بل ازداد تدهورا وحرمانا وقتامة، وكبر المقت والشعور بالغبن والقهر". ويضيف "أن الحلم تحول إلى سراب وأصبحت الوعود الانتخابية وهمًا".

ويرى أنصار الحكومة أن المنطقة تعيش ثورة على الفساد المستشري في كل مكان، وأن طريق الإصلاح صعب ولكن الأمل في غد أفضل يبقى بأيدي أبنائها.

ويعدد أنصار الحكومة إنجازاتها على مستوى البنية الأساسية من طرقات وخدمات عامة ومن مشاريع تنموية مبرمجة بالمنطقة.

ويرى المهتمون أن الحرية، هي الإنجاز الوحيد للثورة رغم ما يشوبها في بعض الأحيان من مظاهر للفوضى وتعد على القانون. فقد أطلقت الثورة العنان للطاقات الشبابية في مجالات العمل الخيري والإبداع والفن والإعلام وظهرت بوادر وعي أهلي كبير.

وبين النجاح والإخفاق والإحساس بالغبن أو الحرية يعيش أهالي سيدي بوزيد في ظل واقعهم الصعب الذي يراوح مكانه منذ سنين.

المصدر : دويتشه فيلله