خليف بري داخل مكتبه الذي يصدر منه صحيفة "أضواء الشرق" لأكثر من عشرين عاما (الجزيرة نت)
 
عبد الفتاح نور أشكر-بوصاصو
 
بعد انهيار الحكومة المركزية في الصومال عام 1991 ودخول البلاد في دوامة عنف مستمرة، لم يستسلم الصحفي خليف محمد بري للأوضاع المأساوية في البلاد مثل غيره من عشرات الأكاديميين الصوماليين الذين قذفت بهم الظروف إلى خارج بلدهم.

وآثر الخليف (65 عاما) البقاء داخل الصومال، وبدأ إصدار صحيفة أسبوعية منذ بداية الأزمة الصومالية تحمل اسم "أضواء الشرق" مستعيناً بخلفيته الأكاديمية، حيث كان يعمل محاضرا في الجامعة الوطنية الصومالية مدرسا لمادة إدارة المؤسسات الصحفية، بعد تخرجه من كلية الإعلام بجامعة القاهرة في ستينيات القرن الماضي.

يقول خليف إنه قرر البدء بنشاط إعلامي متواضع يكون مساعدة للشعب الصومالي المنكوب، ويجعل مواطني بلاده مواكبين لما يدور حولهم من أحداث، ويساهم أيضاً في تخفيف معاناتهم اليومية جراء الاقتتال الداخلي.

ويضيف للجزيرة نت "في خضم الأحداث السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد، كان لا بد من إيجاد وسيلة إعلامية تنقل الأحداث الجارية وتقدمها للجمهور الصومالي بكل أمانة وشفافية، من منطلق  المسؤولية الاجتماعية الملقاة على عاتقنا".

الوسيلة المتاحة
وذكر خليف أنه لم يكن من المستطاع بعد انهيار الحكومة الصومالية فتح قنوات تلفزيونية أو توفير خدمة إذاعية، وكانت الصحافة الورقية هي الوسيلة الوحيدة الممكنة نظراً لسهولة الحصول على مدخلاتها من ورق وآلات طباعة.

وتذكّر كيف أنه كان يخط بيده الأعداد الأولية للصحيفة قبل أن يطبعها بطابعة قديمة لا يزال يحتفظ بها حتى الآن في مكتبه.

أبناء خليف يساعدونه في جمع المعلومات وطباعة المواد الصحفية، وهو ما ساعده -رغم الإمكانيات المحدودة- على الاستمرار في إصدار صحيفته الأسبوعية طيلة السنوات العشرين الماضية.

ومن هؤلاء أسمهان خليف بري (18 عاماً) التي تدرس المرحلة الثانوية بإحدى مدارس بوصاصو، وتقول إنها تساعد والدها بعد عودتها من المدرسة، حيث تعمل معه في جمع المعلومات ثم طباعتها على حاسوب قديم، ثم يقوم هو بعد ذلك بتحريرها وصياغتها في قالب صحفي مشوق.

أحمد وأسمهان يساعدان والدهما في كتابة موضوعات الصحيفة وطباعتها (الجزيرة نت)

وأوضحت أسمهان للجزيرة نت أنها "تعمل في مهنة صعبة للغاية تتطلب بذل المزيد من الجهد"، وأضافت "أعمل من أجل تطييب خاطر والدي، وأخفف عنه الأعباء لعدم امتلاكه الأموال الكافية للتعاقد مع صحفيين".

واعتبرت أن ما تقوم به هو بمثابة مساعدة لوالدها الكبير في السن، وذكرت أن إخوتها الكبار كانوا يساعدون والدهم أيام ذروة الأزمة الصومالية في تسعينيات القرن الماضي.

فني طباعة
وبدوره يعمل أحمد خليف بري (17 عاماً) كفني طباعة ومصمم للصحيفة، ويقول إنه أخذ دورات حاسوب في معاهد بوصاصو قبل سنتين بغرض مساعدة والده في تصميم الصحيفة وطباعتها.

ويشير أحمد في حديثه للجزيرة نت إلى الصعوبات التي يواجهها والده في سبيل إصدار الصحيفة وتوزيعها على الأفراد والهيئات والمؤسسات التجارية العاملة في المدينة.

وقال "يجتهد والدي في توزيع الصحيفة بنفسه رغم كبر سنه.. فصباح كل خميس نذهب نحن إلى المدرسة ويتعب والدي وحده في توزيع الصحيفة".

ذاكرة حافظة
ويوجد في داخل مكتب خليف بري أرشيف لصحيفته منذ صدورها في بداية الأزمة الصومالية حتى اليوم، ويعتبر هذا الأرشيف بمثابة الذاكرة الحافظة لأحداث الصومال المؤلمة.

ويصف الرئيس التنفيذي لاتحاد الصحفيين الصوماليين برهان أحمد طاهر أرشيف صحيفة "أضواء الشرق" بأنه مخزون تاريخي للشعب الصومالي، ووصف إنشاء بري للصحيفة ومواصلة إصدارها بالخطوة المتطورة التي "تتطلب الدعم والتشجيع من قبل المجتمع الصومالي".

وأشاد أحمد طاهر بما حققته الصحيفة في جمع وأرشفة المعلومات، مشيرا إلى أنها "رغم الإمكانيات المتواضعة ضربت مثالاً للمهنية والتزام خط تحريري صارم جعلها في صدارة المؤسسات الإعلامية التي خدمت الشعب الصومالي طيلة فترة الأزمة الممتدة".

المصدر : الجزيرة