ثوار سوريا ولدوا في عهد الأسد الأب وكبروا في عهد الأسد الابن (الجزيرة نت)

حسين جلعاد-حلب

"سوريا الأسد" شعار رفعه الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد منذ تسلمه قيادة البلاد، ثم آل إلى وريثه الرئيس الحالي بشار الأسد، وذلك من جملة ما أورثه إياه: الزعامة، والأجهزة الأمنية في البر والبحر والجو، وكذلك الشعب والدولة.

ولعل أكبر مفارقة ابتلعها "الثوريون الممانعون" و"المقاومون" أن عقيدة حزب البعث العربي الاشتراكي -العلماني بالضرورة- لا تجيز التوريث من حيث هي مبدئيا نظام قائم على الاختيار والانتخاب، لكن مصالح الدول الكبرى، وقبلها توازنات الإقليم -بما فيها إسرائيل- قد أجازت أن "السياسة فن الممكن"، وأن السيادة لمن غلب.

أربعون عاما ونيف قضاها نظام الأسد وهو يسوس السوريين بكل ما أمكن، بدءا من البطش والتشبيح، وانتهاء بمهرجانات الرقص الجماعي الممنهج والتي يحرص التلفزيون السوري على بثها بنفس الجدية التي يبث بها مهرجانات "الصمود والتصدي" وخطب الألف ساعة للزعيم الأوحد.

الشعار كان ولا يزال عماد الأنظمة الشمولية، لكنه في دولة البعث السوري أخذ بعدا شخصيا وعقائديا في الآن ذاته، فسوريا التاريخ والحضارة وأول أبجدية في التاريخ، اختصرت لتصبح "سورية الأسد".

"سورية الأسد" شعار على دبابة للنظام غنمها الثوار ورفعوا عليها علم الثورة (الجزيرة نت)

وكان السوريون يلقنون كل تلك الشعارات في منظمات حزبية مساندة تبدأ من رياض الأطفال وتستمر في المدرسة بجميع مراحلها، وصولا إلى الجامعة. ثم يتولى الإعلام المملوك للدولة -أو الأجهزة الأمنية- تكرار المعزوفة الموحدة ذاتها "إلى الأبد.. إلى الأبد.. يا حافظ الأسد". 

بزة وصورة
وفي عهد الرئيس الوريث ظل الوضع على حاله في التلقين، وظل "الأسد رمز الثورة العربية"، سوى أن الرئيس الابن أضاف لمسة شخصية أعاد فيها تفصيل البزة العسكرية وإطار الصورة المعلقة على الجدار، لتكون مناسبة لقياسه الشخصي.

ويروي العارفون هنا أن الرئيس بشار الأسد كان في بداية عهده يتودد للناس فيُرى متجولا في الأماكن العامة والشعبية، وحسب ما ينقل أحد الناشطين، فقد أبدى الرئيس الشاب في زيارة إلى حلب تهكمه حين رأى بعض المحجبات في مطعم كان يتناول الطعام فيه، وقال "ما هذا؟ هل نحن في قندهار؟".

وأيا كانت مصداقية هذه الرواية التي تناقلها السوريون، فمن المؤكد أن "حكمة" الشعار لا تقف عند  تفاصيل كهذه، ولهذا رأينا أن الشعار الأشهر الذي رفعه نظام بشار الأسد هو "سوريا الله حاميها"، وهو ما توقف عنده كثيرون لجهة علمانية الدولة ورئيسها الجديد. فيما رآه بعض المحللين ذكاء سياسيا خارقا لتأكيد تحالفه الإيراني من جهة، وزواجه السني مع تجار حلب والشام من جهة أخرى.

أما  سخرية التاريخ، فقد ظهرت في الشعارات أيضا، فبعد ما يزيد على أربعة عقود من حكم العائلة، كسر الثوار الجدد شعار دولة البعث باللغة ذاتها، ولكن بشعار مناقض تماما، لقد هتفوا في مظاهراتهم السلمية دفعة واحدة وإلى الأبد: "قائدنا للأبد.. سيدنا محمد".

هنا يضحك التاريخ مقهقها، فالمفارقة الأشد سخرية أن عماد الثورة السورية كان ممن ولدوا في  زمن الأسد الأب، ونضجوا وتبلور وعيهم  في عهد الابن. ولعل الفشل الأقسى لدولة الحاكم الأوحد أن المتظاهرين السلميين أخذوا الشعار الجديد معهم إلى جبهات القتال، فصاروا يهتفون مع كل طلقة يتلقونها أو يطلقونها: "قائدنا للأبد.. سيدنا محمد".

طارق عبد القادر: الدين المعاملة وليس لدينا تعصب (الجزيرة نت)

وهكذا كان فشل دولة القائد الأوحد مضاعفا، فالحزب الحاكم لم يفشل فقط في صياغة وعي موال له ولرئيسه، بل أنتج نقيضه، وأعطاه سلاحا لا ينكسر: التمرد والإيمان.

آراء الثوار
الثوار أنفسهم لهم آراء متباينة  في التاريخ الشخصي والعام، لكنهم متفقون عموما على أن عجلة الزمن لن تعود إلى الوراء، فخلال لقاءاتنا مع ثوار مقاتلين ونشطاء مدنيين سمعناهم يعلنون أن عيدهم الأكبر هو يوم دخول القصر الجمهوري في العاصمة دمشق.

المقاتل طارق عبد القادر، شاب في أوائل الثلاثينيات، يضع على رأسه عصبة مكتوب عليها عبارة التوحيد "لا إله إلا الله"، مع ذلك لا يرى نفسه إنسانا متدينا، بل يقول "أنا ملتزم".

وحين نسأله عن مظهره الملتحي، يقول إنه يتبع السنة النبوية، ثم يعيد السؤال منتقدا التركيز على أسلمة الثورة السورية بقوله "لماذا يخافون منا؟". ويستطرد مقدما مقاربة خاصة لمفهوم الالتزام، فهو ابتداء شاب متحضر ومتعلم وخريج قسم التاريخ من إحدى الجامعات السورية.

ويقول إن "الإسلام دين التسامح. لدينا في الجيش الحر مسيحيون وعلويون. الدين المعاملة، أما العبادة فهي أمر مع الله عز وجل. المهم هو المعاملة. كيف يتعامل الناس مع بعضهم، ليس لدينا أي تعصب".

وفي سياق قريب، يلخص المقاتل الشاب حسن عبد الهادي قضيته بالقول "نحن خارجون للشهادة". وحين نسأله "ألا تخاف الطائرات وأنت لا تحمل سوى بندقية؟"، يهز رأسه مطرقا، ثم يقول "هناك خوف قليل، لكن حين تدق المعركة، ترتفع المعنويات. الله يعطيك القوة".

مقاتل آخر هو نعسان مسعود (مواليد 1982) لا تعنيه التنظيرات كثيرا، فقد كان نجار بناء قبل الثورة، ويجيب على سؤالنا بقوله "أنا ما بعرف أحكي. أنا مقاتل. جاهدت في العراق. أنا طالب شهادة".

من جهته يعتبر القائد الميداني أبو بصير اللاذقاني أن المقاتل يتوقع أن يلقى وجه ربه في كل لحظة، ويقول "لقد عشنا في الحياة جحيم الأسد، فماذا لو قتلنا في المعركة ولم يتقبلنا ربنا كشهداء! تخيل مدى الرعب والخسارة؟". ويؤكد "لا بد أن تخلص النية والعمل".

المقاتل نعسان مسعود: أنا طالب شهادة 
(الجزيرة نت)

مليون سبب
أما الناشط "أ. س" فله منظور آخر، فهو يرى أن السوريين يحتاجون إلى عشر ثورات كي يتحرروا من إرث "بيت الأسد"، وقبل أن يشرح وجهة نظره يطلب منا أن لا نشير إلى اسمه الحقيقي، لأن له عائلة مكونة من أربع بنات وأمهم، ما زالوا خلف خطوط النار في حلب.

ويعرف هذا الناشط الأربعيني عن نفسه بأنه رسام كاريكاتير لكنه عمل محاسبا ليعيل أسرته، ونفهم منه أنه كان من أوائل المبادرين إلى المشاركة في المظاهرات السلمية في بداية الثورة "حين كانت مدينة حلب صامتة أمام رعب وتشبيح آل بري".

يقول "أ. س" إنه لم يحمل السلاح وذلك خوفا على بناته من الانتقام، ويعتز بأنه من سكان حي صلاح الدين بحلب، والذي يصفه بأنه "بابا عمرو حلب" في إشارة إلى الحي الشهير بحمص الذي هدمه الجيش النظامي على رؤوس ساكنيه.

يعلل هذا الناشط حاجة الشعب السوري إلى عشر ثورات بكلمة واحدة "الفساد". ويضيف "لقد زرع حافظ الأسد في كل بيت سوري بذرة الفساد"، ويتابع "لهذا أركز في رسوماتي الآن على سلبيات الثورة، أعري المتسلقين والانتهازيين، وتجار الثورات". ويقول بحزن "حافظ الأسد نخر ضمائرنا.. هناك مليون سبب لمليون ثورة".

المصدر : الجزيرة