مشهد يوضح الحالة الراهنة لباب العزيزية حيث أكوام القمامة تؤثث المنطقة (الجزيرة نت)

المختار العبلاوي-طرابلس

"لقد أصبح مطرحا للنفايات، أشجاره بائسة وسكانه غير شرعيين" بهذه الكلمات وصف محمد إبراهيم أبو القاسم طالب جامعي، باب العزيزية الذي كان مقر إقامة العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، ومنه كان يدير شوؤون "جماهيريته"، قبل أن يتحول اليوم إلى خراب.

فالمكان الذي كان حكرا على علية القوم لما يناهز أربعة عقود، وارتبط في ذهنية المواطن الليبي البسيط بالكثير من الأساطير والحكايات التي جعلت حتى المرور بجانبه مغامرة لا تحمد عقباها وقد تقود صاحبها  إلى نهاية محتومة، حوله الليبيون بعد ثورة 17 فبراير/شباط إلى مطرح للنفايات حيث تتراكم أزبال ثؤثث جغرافية المنطقة الممتدة على مساحة ستة كيلومترات مربعة.

تهدمت أسوار ومرافق باب العزيزية، بعضها بفعل القصف الجوي لقوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) وما تبقى تكفل بهدمه الثوار، اختفت خضرة المكان وحلت محلها أكوام من النفايات ترافقها رائحة كريهة تزكم الأنوف في مشهد كان إلى حدود الأمس القريب ضربا من الخيال.

إنه منظر "لا يسر مطلقا أي مواطن ليبي أو عربي أو أعجمي" يقول عبد البديع  مفتاحي بائع الفواكه بالقرب من المكان، وآثار الحسرة بادية على محياه قبل أن يضيف "هذا المنظر إساءة لليبيا".

مفتاحي الذي تخوف في البداية من الحديث للجزيرة نت قبل أن يشجع زملاءه على فعل ذلك، تأسف على الحالة التي بات عليها باب العزيزية الذي "من المفروض أن يكون أرقى مناطق العاصمة طرابلس"، لكن الحال تحول -يقول البائع الليبي- للأسوأ بعد شهور من نجاح الثورة.

أبو القاسم: ما يقع اليوم نتيجة ممارسات نظام القذافي في حق معظم فئات الشعب (الجزيرة نت)

فعل متعمد
رمي القمامة في مقر إقامة القذافي، خطوة تحمل في طياتها أكثر من دلالة بحسب الذين التقتهم الجزيرة نت، فقد قال معظمهم إن هذا الفعل متعمد، يقول أحدهم وقد طلب عدم ذكر اسمه "نحن الليبيون انتصرنا على نظام الطاغية، وها نحن نقيم حكمك يا معمر بهذا السلوك".

إلا أن محمد إبراهيم وإن تفهم بعض دوافع هذا الفعل الذي "يتم خفية وغالبا بالليل"، فقد أرجعه إلى سياسات النظام السابق التي نهجها في حق أبناء شعبه، وقال "ما يقع اليوم نتيجة ممارسات نظام القذافي في حق معظم فئات الشعب"، وتابع "لتغيير هذه العقلية يحتاج الأمر إلى بعض الوقت، وإلى جهد يبذل على مستوى النصح والإرشاد".

من جهته، يفسر الشاب روان صالح الطياري رمي القمامة بالمنطقة -التي كان أغلب الليبيين يجهلون جغرافيتها- بغياب أجهزة الدولة وعلى رأسها الشرطة "التي يجب أن تسهر على أمن وسلامة المرافق العامة".

 ودعا روان (18 سنة) إلى ضرورة تسريع تنظيف باب العزيزية، محذرا من انعكاسات هذا الواقع على الصحة العامة خاصة في ظل وجود مجمعات سكنية قريبة من المكان.

عائلات نازحة
على أن الآثار السلبية للمكان تعاني منها أكثر عائلات فقيرة نازحة من مناطق أخرى، اختارت لضيق ذات اليد الاستيطان مؤقتا بباب العزيزية في منازل سلمت من القصف والتدمير رغم الظروف التي لا تشجع مطلقا على البقاء حيث تسود الروائح الكريهة وتنتشر الحشرات السامة.

وأمام هذا المشهد، تواجه الحكومة الليبية الحالية مطالب بتسريع تنفيذ مشاريع قرارات الحكومة السابقة لإنشاء مجمعات سياحية بباب العزيزية الذي يوجد في موقع إستراتيجي قريب من جميع المصالح الرسمية وبجوار الطريق السريع المؤدي إلى مطار طرابلس.

وكان رئيس الحكومة الليبية الانتقالية السابق، عبد الرحيم الكيب، قد أعلن في أغسطس/آب المنصرم بدء إزالة المقر السابق للعقيد، من أجل إقامة حدائق عامة ومركز ثقافي مكانه.

قصف قوات حلف شمال الأطلسي دمر أجزاء كبيرة من مرافق باب العزيزية (الجزيرة نت)

وعود تنتظر
وقال الكيب حينها في حفل رسمي إن "هذا المشروع سيكون لليبيين جميعا يتمتعون بعد إزالة بقاياه برؤية جمال مدينتهم"، مضيفا أن "الأسوار التي كانت تحجب الرؤية ستتم إزالتها حتى تظهر المناظر الطبيعية، وسيقام نصب تذكاري للشهداء في هذا المكان وستقام حدائق عامة ومسارح وبيت للثقافة".

مرت شهور عدة على إعلان مشروع تهيئة باب العزيزية، ذهبت حكومة الكيب، وجاءت محلها حكومة جديدة يترأسها علي زيدان، لكن "دار القذافي" لا تزال على حالها ترثي واقعها الجديد حيث لم ترصد الجزيرة نت أي حركة بناء أو إعمار.

أسئلة المواطن الليبي بشأن مستقبل المنطقة نقلناها إلى رئيس لجنة المرافق العامة والإسكان بالمؤتمر الوطني العام محمد يونس المنفي الذي استعبد البدء في تنفيذ المشاريع المعلن عنها في المرحلة القادمة، وقال في المقابل إن الملف سيكون موضوع اجتماع قريب مع عدد من أعضاء الحكومة.

المصدر : الجزيرة