كتائب ثوار الساحل تشكلت من متظاهرين مدنيين وعسكرين منشقين عن جيش النظام (الجزيرة)

حسين جلعاد-شمال سوريا

يرى قادة كتائب من الجيش السوري الحر بمنطقة اللاذقية أن نهاية نظام الرئيس بشار الأسد ستكون في منطقة الساحل، ويعللون ذلك بأن النظام حصّن تلك المناطق كقاعدة أخيرة له. ويستبعد أولئك القادة أن تشهد البلاد -بعد انهيار النظام- حالة من فوضى السلاح أو الاقتتال الطائفي.

الجزيرة نت التقت أبو بصير اللاذقاني قائد كتيبة العز بن عبد السلام، والملازم المنشق أبو رحال قائد كتيبة الهجرة إلى الله في منطقة على الشريط الحدودي قرب تركيا.

ويمثل القائدان وجهي الثورة السورية، فالأول ناشط مدني اعتصم بالجبال وشكل كتيبته بعدما كثف النظام قمع المتظاهرين بكافة أنواع الأسلحة، بينما انشق أبو رحال عن الجيش النظامي بعدما رأى "مجازر" ترتكب بحق المدنيين في درعا جنوب البلاد.

ينحدر الشاب الثلاثيني أبو بصير من عائلة عريقة في اللاذقية تعمل بالتجارة، وكانت "الدنيا مفتوحة" أمامه حسب قوله، فالأغنياء والتجار في نظام الأسد تفتح لهم الأبواب ما داموا بعيدين عن التدخل في شؤون الأمن والسياسة. لكن أبو بصير أصابه ما أصاب "عشاق الحرية"، إذ لم يعد ممكنا أن يظل الشعب السوري "متاعا يتوارثه آل الأسد" في عصر الربيع العربي.

أبو بصير قائد كتيبة العز بن عبد السلام التابعة للجيش الحر في اللاذقية (الجزيرة)

الخوف والثورة
يستعيد أبو بصير الأيام الأولى للحراك السلمي، يقول إنه عرف معنى أن تبلغ القلوب الحناجر، فقد اتفق المتظاهرون أن يخرجوا يوم جمعة من أحد مساجد اللاذقية، لكن المحاولة الأولى باءت بالفشل، ثم الثانية في الأسبوع التالي.. كان الخوف يسيطر على الناس، وفي المرة الثالثة "فتح الله علينا، فبعد أن شرع خطيب المسجد في النفاق والتزلف، وقف له الشباب وهتفوا لشهداء درعا"، ثم انطلقت المظاهرات في المدينة.

ويعتبر قائد كتيبة العز بن عبد السلام أنه حمل السلاح مكرها، فالنظام لم يترك خيارا للإصلاح، كما أن منسوب القمع كان أكبر من أن يحتمل.. "لقد حشد اللاذقية طائفيا، وألّب الناس على بعضهم، وأطلق عصابات الشبيحة ثم رجال الأمن والجنود".

شهداء درعا
أما أبو رحال قائد كتيبة الهجرة إلى الله فهو ضابط منشق عن الجيش النظامي، لم يحتمل ضميره أن يرى بنادق الجيش تصوب نحو أبناء شعبه الأعزل. ويروي أن خدمته العسكرية كانت بدرعا، وأنه شهد قمع المدنيين لكنه رفض تنفيذ الأوامر بقصف المتظاهرين، بل تراجع بآليته العسكرية وانسحب إلى مقره، وحين عاد الجنود هاله أن ضابطا يتفاخر بقتل المدنيين، فأمسكه أبو رحال وصوب المسدس إلى رأسه.

سيحاكم الملازم أبو رحال عسكريا، ويعتقل لأشهر طويلة في سجن صيدنايا، حيث تعرف هناك على 1055 ضابطا كلهم سجنوا لأسباب تتعلق بالثورة السورية. ويوضح في حديثه لنا أن عدد الضباط المعتقلين قد تضاعف الآن.. ستبرئه المحكمة، و"سيوضع في مهمة مكتبية هامشية"، لكنه غادر المؤسسة العسكرية بمجرد أن سنحت له الفرصة.

العمل العسكري
يقول القائدان إن بداية العمل العسكري ضد النظام كان الاعتصام بالمناطق الجبلية، وأنهما بدآ بتسيير دوريات صغيرة، ثم اتسعت الكتائب عددا وتسليحا بعد تحقيق انتصارات أوجعت الجيش النظامي. ويلفت اللاذقاني إلى أن عدد مقاتلي الجيش الحر في منطقة جبل الأكراد وحدها يبلغ ثمانية آلاف مقاتل، وأن الثوار يسيطرون على ريف اللاذقية كله، كما أن طلائع قواتهم باتت على مقربة 30 كلم من مداخل مدينة اللاذقية.

ويضيف قائد كتيبة العز بن عبد السلام أن "معركة اللاذقية قريبة بإذن الله، ونحن نحرر مناطق جديدة يوميا.. لدينا أسلحة كافية، وقادرون على الوصول إلى القرداحة (بلد الرئيس الأسد)، لكننا نعطي قاعدة بشار فرصة للدخول بدون قتال"، وأكد أن "آخر طلقة في الثورة السورية ستكون في الساحل السوري".

أبو رحال ضابط منشق عن الجيش النظامي ويقود كتيبة الهجرة إلى الله 
 (الجزيرة)

ويقدم الضابط المنشق أبو رحال قراءة إستراتيجية في سير المعارك، فيشير إلى أن الثوار يقاتلون وفق مبدأي "الاستنزاف والتحرير"، ويشرح الأمر بقوله إن جيش النظام حاول بداية أن يحصن الحدود ففشل، ثم حاول تحصين الأرياف ففشل، وهو الآن يتحصن ببعض المدن بعدما خسر الأرض، لافتا إلى أن المدن تسقط تباعا بأيدي الثوار.

ويوضح "نعمل على تحرير الريف، وتأمين القرى التي تسكنها طائفة بشار الأسد، هناك ضيعات استجابت بالحسنى، لكن ضيعات أخرى رفضت وأعلنت أنها ستقاوم الثورة". ويؤكد أنه لا بد من "تثبيت النصر بالريف" ليصار إلى تحرير المدينة.

واعتبر أبو رحال أن نظام الأسد يخوض آخر معاركه، وأن سقوط اللاذقية يعني سقوط النظام، وقال إن "حشد النظام الأسلحة الثقيلة في جبال الساحل كقاعدة أخيرة.. هناك انشقاقات داخل بنية النظام العسكرية، فضباط الأسد بدؤوا يتركون مواقعهم بالمدن ويعودون إلى قراهم الأصلية ليحموا أهلهم.. إنهم لا يعلنون انشقاقهم، ولكنهم يعودون إلى قراهم ويقولون إنهم سيقاتلون فيها".

الأفق السياسي
على الصعيد السياسي، يرى أبو بصير أن "العالم كله يريد أن تستمر الثورة السورية، لكنهم لا يريدون لها أن تنتصر". ويؤيده رفيقه أبو رحال بالقول إن الدول والقوى الكبرى تريد أن تفرض سياساتها على الشعب السوري، هم "يسعون إلى تهديم البنية التحتية للبلاد كي يفرضوا حلولا مستقبلية على سوريا، ولكي يفرضوا رئيسا لا يعادي إسرائيل، ويبقى مشغولا بالكارثة الداخلية"، لافتا إلى أن بشار الأسد قد أوكلت له مهمة تحطيم البلاد ليصار إلى تأمين ملاذ آمن له لاحقا، حسب قوله.

ويضيف قائد كتيبة الهجرة إلى الله أن "قتال جيش بشار الأسد خيار أكرهنا عليه.. نحن نبكي دما كلما أسقطنا طائرة عسكرية، لأن ثمنها من دماء السوريين، وهم من دفعوا ثمنها وليس عصابات الأسد".

أما عن علاقة الثوار بالمعارضة السياسية فإنها مشروطة بعملها على إنجاح الثورة، واعتبر قائد كتيبة العز بن عبد السلام أن الحكومة المؤقتة المتوقع تشكيلها لا بد أن تراعي مصالح سوريا والثورة، وإلا "فلن نسمح لأي معارض عاش بالخارج أن يتدخل في شؤون الثورة".

قائد كتيبة
العز بن عبد السلام:
نحن نقاتل من أجل بناء سوريا ديمقراطية، ويجب أن يأتي جميع ممثلي الحكومة عبر صناديق الاقتراع

وأضاف أبو بصير "نحن نقاتل من أجل بناء سوريا ديمقراطية، ويجب أن يأتي جميع ممثلي الحكومة عبر صناديق الاقتراع.. لا نقبل أحدا مفروضا علينا من الخارج".

ولفت إلى أنه يجري حاليا في الساحل السوري تشكيل ائتلاف شباب الثورة لحماية الثورة والدفاع عنها استعدادا لمرحلة ما بعد الأسد، كما أن العمل جار على توسيعه ليشمل جميع المحافظات.

ومن جانبه يؤكد الضابط المنشق أبو رحال "سنحمل السلاح حتى سقوط النظام، وسنوكل للنشطاء المدنيين الذين فجروا المظاهرات السلمية بمهمة حفظ حقوقنا وحماية مستقبل الثورة".

ويستبعد القائدان أن تعاني البلاد من فوضى السلاح والمليشيات بعد انتصار الثورة كما حدث  في النموذج الليبي، وأكدا أن كتائبهما ستسلم السلاح للدولة الجديدة وسيتركون بناء مجتمع العدل والحق أمانة بيد الثائرين المدنيين.

المصدر : الجزيرة