الصحفيان عمر الصاوي (يمين) ومصطفى زهران، نقاش هادئ رغم اختلاف وجهات نظرهما (الجزيرة نت) 

مصطفى رزق-القاهرة

انعكست الأزمة السياسية في مصر بكل تفاصيلها على نقاشات مختلف فئات المصريين، الذين أصبح لا شاغل لهم إلا الحديث عن المظاهرات والاعتصامات ما بين مؤيد للرئيس محمد مرسي ومعارض له، ولكل وجهة نظره ومبرراته التي تدفعه لتبني موقفه والإصرار عليه، بل ومحاولة إقناع الآخرين به.

في أحد المقاهي الواقعة في قلب العاصمة المصرية القاهرة، وعلى مسافة لا تزيد عن عشرات الأمتار من ميدان التحرير حيث يعتصم المئات من القوى السياسية، جلس اثنان يحملان وجهتي نظر مختلفتين بشأن الوضع الراهن، أحدهما مؤيد للرئيس مرسي وإعلانه الدستوري والآخر رافض للطريقة التي يدير بها الرئيس البلاد، لكن ما جعل النقاش مثمرا أن كلا منهما يعمل بالصحافة.

مصطفى زهران، باحث متخصص في شؤون الحركات الإسلامية، ويعمل صحفيا في جريدة المصريون المحسوبة على التيار الإسلامي، وعمرو الصاوي صحفي يعمل بجريدة المصري اليوم المحسوبة على التيار الليبرالي، كل منهما من مدرسة مختلفة، غير أن ثقافة كل منهما التي تتبنى أسلوب الحوار الهادئ ساهمت في خروج النقاش بشكل لم يثر حفيظة أي منهما للتعصب أو لرفع صوته وهي مشاهد باتت مألوفة عند التقاء اثنين يدافع كل منهما عن التيار الذي يؤيده.

جلس زهران ممسكا بيده كتابا عن التجربة التركية وكيف استطاع الإسلاميون في تركيا بزعامة حزب العدالة والتنمية النهوض بالبلاد حتى مع وجود تصادم مع المؤسسة العسكرية والعلمانيين، أما الصاوي فوضع أمامه كتابا ضخما لمؤلفين غربيين كُتب عليه "روعة الكيمياء" وبدأ النقاش في الطريقة التي تعامل بها كل من الإسلاميين -ومنهم رئيس الجمهورية- والليبراليين والقوى المدنية المعارضة للإعلان الدستوري والاستفتاء على الدستور الجديد.

أثناء حوار الاثنين، الذي استأذنتهما أن أسجل منه بعض لقطات الفيديو، وصلت رسالة على التليفون المحمول لأحدهما معلنة أن جبهة الإنقاذ الوطني التي تضم شخصيات من تيارات وأحزاب سياسية كالوفد والتيار الشعبي وحزب الدستور وغيرها، رفضت المشاركة في الاستفتاء على الدستور الجديد ودعت لمقاطعته والتصعيد ضد مؤسسة الرئاسة حتى التراجع عنه.

أكد زهران على أنه لولا وقوف الجماعة خلف الرئيس مرسي في الأزمات التي تعاقبت منذ توليه الرئاسة لاستطاعت القوى الأخرى تنحيته لتعيش مصر في فترات متوالية من عدم الاستقرار السياسي

القوى المدنية
هنا بدأ زهران في انتقاد هذه الجبهة متهكما على مصطلح "الإنقاذ" الذي اختارته لنفسها، وقال إن المشاركين في هذه الجبهة دأبوا على انتقاد جماعة الإخوان المسلمين بعد وصول أحد قياداتها للحكم، في حين أنها لم تستفد من الأخطاء التي طالما تتحدث عنها، وفشلت في استقطاب قوى إسلامية أخرى كان لها أيضا ملاحظات على أداء الرئيس، وتسبب هذا الفشل -بحسب رأيه- في نجاح جماعة الإخوان المسلمين في جذب هذه القوى الإسلامية إليها وبالتالي اكتساب المزيد من القوة في مواجهة القوى المدنية.

يكمل زهران حديثه، مشيدا بذكاء الإخوان في استقطاب قطاعات واسعة من الشعب المصري نظرا لقدرة أعضائها وكوادرها المنتشرين في كل أرجاء مصر على إقناع عوام الناس والبسطاء بأهمية الوقوف خلف الجماعة والرئيس في مواجهة القوى التي لا ترى في الإسلاميين خيرا لمصر، مؤكدا أنه لولا وقوف الجماعة خلف الرئيس مرسي في الأزمات التي تعاقبت منذ توليه الرئاسة لاستطاعت القوى الأخرى تنحيته لتعيش مصر في فترات متوالية من عدم الاستقرار السياسي.

يقاطع الصاوي زهران معلنا اتفاقه معه في أن القوى المدنية لم تقم بواجبها وأعطت الفرصة واسعة للإخوان المسلمين لتجمع القوى الإسلامية في صف واحد ضد الليبراليين، لكنه تساءل لماذا لم تقدم جماعة الإخوان التي أوصلت مرسي لكرسي الحكم تطمينات لبقية القوى لعمل دستور يرضى عنه الجميع، لتقدم نموذجا مختلفا عن النظام الذي أسقطته الثورة تستطيع به أن تلقى احترام خصومها، وفي الوقت نفسه تجذب المزيد من أنصارهم إليها؟

لم يجب زهران عن التساؤل، لكنه همس بصوته للصاوي قائلا "أحتاج الآن لتناول الطعام قبل أن أتوجه للجريدة، ما رأيك أن نتناوله سويا" وبالفعل ذهب كلاهما وبقيت القضية التي ناقشاها ليكملاها على مقهى آخر، أو ربما يكملها غيرهما في مكان جديد من العاصمة التي يتخوف أهلها من استمرار الأزمات منذ سقوط النظام السابق بعد أن استبشروا خيرا برحيله كغيرهم من المصريين في كل أنحاء الوطن.

المصدر : الجزيرة