الدمار طال كل شيء حتى المساجد

شاهر الأحمد-جبل الزاوية

تبدو قرية كفر عويد في ريف إدلب بسوريا -مثلها مثل العديد من القرى التي انتفضت في بداية الثورة- مطالبة برحيل الرئيس بشار الأسد، لكن هذه القرية تتمتع بشيء من الخصوصية. ومن يزور المنطقة يتوقف حتما عند مقبرة الشهداء ووادي بدمايا الذي شهد مجزرة عظيمة في بداية الثورة راح ضحيتها 111 شخصا، الأمر الذي يعده الأهالي عنوانا "على جرم النظام" بحق الشعب الأعزل، وتجسيدا للانخراط في الثورة.

ولا يصعب على من يزور القرية التعرف على موقفها من الثورة، فالعديد ممن التقيناهم من شيوخ وشباب وأطفال ونساء يتباهون بأن كفر عويد كانت من أوائل المناطق السورية التي انتفضت باحتجاجات سلمية ضد نظام الأسد، حتى لا يكاد يخلو بيت فيها من قتيل أو مصاب أو معتقل.

والقرية التي لا يتجاوز عدد سكانها 15 ألفا، يعتبرها أهلها من "أكثر مَن قدّم ضحايا في ملحمة الثورة السورية" التي تكاد تتم شهرها العشرين، كما انخرط العديد من شبابها في العمل المسلح.

وقد دمر النظام العديد من المنازل والمباني بما فيها المساجد التي لحق التدمير التام باثنين منها على الأقل. كما أن المتجول يسمع بين ساعة وأخرى أصوات أزيز الطائرات والمروحيات الحربية التي تقصف بشكل عشوائي، إضافة إلى دوي انفجار القذائف بمختلف أنواعها.

والمتتبع للشعارات المكتوبة على أسوار وجدران المباني في القرية، يجد أنها ملئت بعبارات ناقمة على نظام دمشق وتصفه بأسوأ العبارات. كما كتبت شعارات تتفاخر بما قدمته كفر عويد "من شهداء" لصالح الثورة، وتؤكد أنها منيعة على قوات الجيش النظامي.

مقبرة الشهداء
ظهرت مقبرة شهداء كفر عويد إثر رفض الجيش النظامي -الذي كان حينها يحكم سيطرته على القرية- بدفن قتلى مجزرة وادي بدمايا في مقبرة القرية المعروفة. فاضطر أهل القرية لنقل جثث الضحايا لخارجها لدفن العشرات منهم، وقرروا إطلاق اسم الشهداء على المقبرة وأن تخصص لدفن من يسقط مقتولا في الثورة.

مقبرة شهداء كفر عويد تضم قتلى الثورة

ويروي أهالي القرية للجزيرة نت تفاصيل المجزرة التي وقعت في العشرين من ديسمبر/كانون الأول 2011, حيث يحكي ناجون أن العديد من الشباب الناشط في المظاهرات السلمية من كفر عويد وغيرها من القرى المجاورة وعددهم نحو 115 فروا باتجاه وادي بدمايا خشية اعتقالهم من قبل قوات الجيش التي اقتحمت القرية والقرى المجاورة.

وتفيد الشهادات بأنه عندما علم الجيش بذلك فرض حصارا على الوادي من جميع الجهات، ثم بادر بإطلاق النار من مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة وبشكل عشوائي دون أن يعرض على المحاصرين الاستسلام، واستمرت قوات الجيش بإطلاق النار من الساعة الثامنة صباحا وحتى غروب الشمس.

وادي الدماء
والوادي الذي حرصنا على زيارته يبعد عدة كيلومترات عن القرى ويتسم بالوعورة وكثرة الصخور ووجود بعض المغارات، وسمي بهذا الاسم -كما أفاد العديد من أهل المنطقة- نسبة إلى كثرة الدماء التي جرت فيه إثر مجزرة عظيمة وقعت فيه منذ مئات السنين.

وأوضح حسين غريبة -وهو أحد الناجين من المجزرة- أن نحو 15 من المحاصرين رفعوا الرايات البيضاء وسلموا أنفسهم للجيش، فكان مصيرهم القتل والتمثيل بجثثهم. وذكر أنه فقد شقيقه في هذه المجزرة مع أربعة من أبناء عمومته، كما أصيب عدة إصابات إحداها في يده والأخرى في رجله والثالثة بوجهه.

ولفت غريبة -وهو متزوج وأب لطفل- إلى أن الجيش عمد بعد الإطلاق الكثيف للنيران إلى إلقاء قنابل غاز سامة فقد الوعي على أثرها، ولم يعد إلى وعيه إلا وأهل القرية يجلون الجثث وكانوا يظنونه قد فارق الحياة.

وإثر الإصابة اضطر أهله لنقله إلى مستشفى بتركيا للعلاج، ولكن بعد تأخر استمر أسبوعا خشية أن يقبض عليه في الحواجز الأمنية. ورغم عدم شفائه الكامل فإنه انخرط في صفوف الثورة المسلحة.

أما رضوان غريبة ابن عم حسين فقد قُتل شقيقاه في المجزرة وأصيب بعدة إصابات في ذراعه وفخذه وصدره وبطنه. وبلهجة حازمة يؤكد استمراره في الثورة "حتى تحقيق النصر".

وللتدليل على عشوائية النظام "وإجرامه" ذكر رضوان للجزيرة نت أن راعيا تصادف وجوده بطرف الوادي وقت حصار الناشطين ورفع يده مستسلما للجيش على اعتبار أن ليس له علاقة بالناشطين، إلا أن الجيش قابل الراعي بعدة رصاصات أردته قتيلا.

ثم ذهبت الجزيرة نت إلى ناج ثالث من المجزرة اسمه محمد الزهر، وهو من قرية مجاورة ينشط حاليا مع الثوار، وأوضح أن شقيقه الأصغر قتل في المجزرة، وأنه تعرض لعدة إصابات في كلتا يديه وفي رجله اليمنى.

ومما ذكره الزهر أن بعضا ممن قتل لم يكن جراء اختراق الرصاص أو الشظايا لأجسادهم، وإنما اختناقا بغاز سام أطلقه الجيش عليهم.

وبعد مغادرتنا للمكان بدقائق، سمعنا دوي انفجارات أفادنا القرويون بأن عدة قذائف سقطت على الوادي.

المصدر : الجزيرة