المسجد يُعدّ من أكبر وأشهر مساجد شبه جزيرة القرم (الجزيرة)

محمد صفوان جولاق-القرم

يشتهر مسجد مدينة يفباتوريا في إقليم شبه جزيرة القرم جنوب أوكرانيا على البحر الأسود؛ بين تتار القرم المسلمين باسم "مسجد المئذنتين الشيوعيتين"، نسبة إلى مئذنتيه اللتين هدمهما الاتحاد السوفياتي السابق قبل أن يعيد بناءهما لاحقا بعد أن حول المسجد إلى متحف.

ويعتبر المسجد واحدا من أشهر وأبرز مساجد الإقليم -الذي يعيش فيه نحو خمسمائة ألف تتاري مسلم، لجمال وقدم وضخامة بنائه. وقد بناه المعماري المشهور الحاج سنان باشا في نهايات القرن السادس عشر على الطراز العثماني، مشابها لمسجد "آية صوفيا" (المسجد الأزرق) في مدينة إسطنبول التركية.

محطات تاريخية
وأطلقت على المسجد عدة تسميات منها "مسجد الجمعة" و"المسجد الجامع" و"مسجد الخان"، قبل أن يهدم الاتحاد السوفياتي أجزاء واسعة من مساحته البالغة 512 مترا مربعا، كما فعل مع معظم مساجد الإقليم بعيد تهجير التتار القسري إلى دول آسيا الوسطى وشمال روسيا في عام 1944.

أعيدت إلى المسجد معالمه الإسلامية بعد استقلال أوكرانيا (الجزيرة)

وبعد استقلال أوكرانيا وانهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991، عاد المسجد إلى ملكية مسلمي القرم مجددا، فقاموا بترميمه من جديد، معيدين إليه مظاهر الفن الإسلامي التي كانت تميزه بجمالها، وأبقوا على المئذنتين كشاهد على حقبة عملت على طمس الدين والهوية وتشويه المعالم، كما يقول مسلمو المدينة.

ويحظى مسجد يفباتوريا بمكانة خاصة في نفوس تتار القرم المسلمين، إذ يرمز إلى "حقبة النهضة الإسلامية" في القرم الذي كان ولاية تتبع لدولة الخلافة العثمانية في أجزائها الشمالية، وكان مركزا لإدارة شؤون الإقليم.

ويقول الباحث في تاريخ القرم أمين القاسم إن المسجد كان مركزا لإعلان فرمانات السلطان العثماني، وفي مكتبته التي نهبت كانت تحفظ تلك الفرمانات والوثائق التي كان يرسلها السلطان للخانات (الأمراء) الذين حكموا القرم مدة ثلاثة قرون.

ويضيف أن حديقة المسجد تضم مقبرة دفن فيها ضباط مصريون شاركوا في حرب القرم إلى جانب الجيش العثماني ضد الإمبراطورية الروسية نهاية القرن التاسع عشر، كما كانت تضم متحفا احتوى على مصحف كتب في عام 1414م.

أمين القاسم: المسجد هو أبرز رموز الوجود الإسلامي في إقليم شبه جزيرة القرم (الجزيرة)

ويشير القاسم إلى أن المسجد هو الأكبر في الإقليم، ويعتبر واحدا من أبرز رموز الوجود الإسلامي فيه، خاصة أنه الوحيد الذي بقي في المدينة من أصل 19 مسجدا دمرها السوفياتيون.

متحف إسلامي
ويعتبر مسلمو القرم أن المسجد بقي متحفا بعد أن عاد إلى المسلمين، ولكنه متحف يحكي لزائريه تاريخ التتار والإسلام في القرم وجوانب من مأساة الحرمان من الحرية الدينية وممارسة التعاليم الإسلامية التي فرضها النظام الشيوعي.

وفي هذا الصدد يقول إسماعيل أميتوف (70 عاما) إن زائري مدينة يفباتوريا -وهي مدينة سياحية شهيرة في أوكرانيا- يحرصون على زيارة المسجد لجماله وضخامة بنائه، حيث يستمعون من أئمته والقائمين عليه إلى جوانب من تاريخه ومكانته، ويتأثرون بالمآسي المصطنعة التي لحقت به.

كما يحرص التتار على زيارة المسجد من حين إلى آخر كوجهة سياحية أيضا، وعلى تعليق صوره في بيوتهم، وحكاية قصة تاريخه وما تعرض له من هدم وتشويه لأبنائهم، حفاظا على تاريخهم وتعزيزا لتمسكهم بهويتهم، كما يقولون.

المصدر : الجزيرة