عبد العزيز رباح قال إن النظام السياسي المغربي مبني على التوافق (الجزيرة نت)

حاوره محمد أعماري-الدوحة

قال وزير النقل والتجهيز (البنيات الأساسية) المغربي عبد العزيز رباح إنه ليس هناك صراع بين الحكومة التي يقودها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية (إسلامي) عبد الإله بنكيران، والمؤسسة الملكية، حيث تحدثت بعض التقارير الصحفية عن أن بعض مستشاري الملك محمد السادس يهمشون الوزراء ويتدخلون في مهامهم أو يضايقونهم فيها.

وبرزت مثل هذه الانتقادات خصوصا في الجولة التي قام بها الملك في الأيام الأخيرة إلى دول الخليج، حيث قالت بعض التقارير إن مستشاري الملك تصدروا واجهة الجولة وهمشوا وزراء الحكومة.

في هذه المقابلة التي أجرتها معه الجزيرة نت أثناء زيارة الملك والوفد المغربي إلى العاصمة القطرية الدوحة في إطار الجولة الخليجية، تحدث رباح -الذي هو أيضا عضو الأمانة العامة (المكتب السياسي) لحزب العدالة والتنمية- عن بعض الإنجازات التي يرى أن الحكومة حققتها وبعض التحديات التي تواجهها.

 نبدأ بالجولة التي قام بها ملك المغرب إلى دول الخليج على رأس وفد هام، ما أهداف هذه الجولة؟ وما النتائج المتوقعة منها؟

هذه الجولة التي قادها جلالة الملك هي عنوان لمرحلة جديدة في العلاقات بين المغرب ودول الخليج، هي جولة تريد أن تعطي نفسا جديدا للعلاقات التاريخية والأخوية والحضارية التي تربط المغرب بدول الخليج.

هناك قواسم مشتركة كثيرة بين المغرب ودول الخليج وهناك طموحات وتحديات مشتركة أيضا، وعلاقات الأخوة والتعاون قائمة منذ زمان بين الجانبين، لكن النظرة الثاقبة للقيادة المغربية والقيادات الخليجية رأت أنه لا بد من الانطلاق إلى مرحلة جديدة تجعل من هذه الأرضية المبنية على الأخوة والتقارب والتاريخ والانتماء المشترك للأمة العربية والإسلامية رافعة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتوجها نحو شراكة إستراتيجية ذات بعد سياسي واقتصادي واجتماعي.

عندما تكون في المعارضة أنت تناضل بالاحتجاج والاقتراح، وعندما تصبح في الحكومة أنت تناضل بالإنجاز

دول الخليج اتخذت في السنة الماضية قرارا بدعم المغرب دعما ماليا مباشرا تأكيدا للروابط التي تحدثنا عنها، وكذا للنظرة المستقبلية التي أشرنا إليها، هذه الدول تعرف تطورا كبيرا في المجال الاقتصادي وفي البنيات التحتية وفي الاستثمار، وفي مجال الولوج إلى الأسواق العالمية، وتريد أن تكون جاذبة ورافعة للاقتصادات العربية، خاصة اقتصادات بعض الدول التي تتشابه في ما بينها، والتي هي شريك إستراتيجي لدول الخليج في المجال الاقتصادي ومنها المغرب.

اقترحنا في هذه الزيارة البرامج والمشاريع التي يمكن أن تكون مقصودة بهذا الدعم المادي المباشر، كما بحثنا آفاق الاستثمار الخليجي في المغرب وآفاق العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الطرفين، وآفاق دعم التحول السياسي الواقع في المغرب.

فالتحول الذي يقوده جلالة الملك في المغرب أعطى نموذجا، وفي كل الأماكن التي زرناها يتمنى كل من التقيناهم لو أن الدول العربية نهجت نهج المغرب، وهو النهج القائم على التوافق ووقع فيه التقاء بين إرادة الحاكمين وإرادات القوى السياسية والاجتماعية على بناء نموذج يكون فيه الجميع رابحا، ويكون فيه الوطن هو الغالب والمنتصر، نموذج توافق سياسي يتنازل فيه الجميع من أجل تغيير تدريجي متعقل. هذا النموذج إذن مطلوب أن يدعم اقتصاديا وتنمويا.

 ما أشكال هذا الدعم الذي ستتلقونه من دول الخليج؟

سنتلقى دعما ماليا مباشرا، فهناك أربع دول خليجية التزمت بدعم المغرب بمبلغ مليار و250 مليون دولار لكل واحدة منها على مدى خمس سنوات، ونحن في الجانب المغربي جئنا بمشاريع اقتصادية مدروسة ليوجه لها هذا التمويل.

وتشمل هذه المشاريع مجال البنيات التحتية والأساسية إضافة إلى مجالات الزراعة والتعليم الجامعي والصحة والإسكان والسياحة، والوزراء المغاربة جاؤوا بمشاريع مدروسة وجاهزة ومحددة برمجتها الزمنية، ولم يبق لنا إلا أن نباشر الإنجاز.

نحن نطمح إلى شراكة إستراتيجية مع دول الخليج، خصوصا أن المغرب يعد مركزا مهما للولوج إلى الأسواق الأوروبية والأميركية، والقطاع الخاص في دول الخليج مقتنع بأنه لا بد أن يتوجه إلى الاستثمار في المغرب، وهذا ما نسهر عليه في إطار التوجه العام للدولة وفي إطار برنامج العمل الذي سطرته الحكومة.

 بعض التقارير الصحفية تحدثت عما سمته "هيمنة" مستشاري الملك على الجولة و"تصدرهم" للواجهة و"تهميش" الوزراء، ما تعليقكم على ذلك؟

أولا هذا غير صحيح، وثانيا سأقول لكم شيئا واضحا لدينا، الذي لا يفهم النموذج السياسي المغربي لا يفهم العلاقة بين الوزراء ومستشاري جلالة الملك، فجلالة الملك هو رئيس الدولة وله مستشارون كل منهم مكلف بملف ما، والحكومة لها دور تنفيذي في إطار ما خوله لها الدستور من صلاحيات، هذا البناء السياسي الذي أقامه الدستور الجديد مبني على التكامل والتعاون والتنسيق بين الحكومة والمؤسسة الملكية.

الحياة السياسية تحتاج إلى سخونة من جانب الأحزاب السياسية ومن جانب الحكومة ومن جانب النقابات، لكن هذه السخونة إذا زادت على حدها قد تتحول إلى انفجار

لا أحد من الوزراء يحس أنه مضايق في عمله ولا أحد من المستشارين يحس أنه يتطاول على اختصاصات أحد أو يتطاول أحد على اختصاصاته، هناك ثقة بين الجانبين.

هذا الذي سألتم عنه، أنا أعده نقاش فئات قليلة، وأصحابه لم يستوعبوا بعد البناء السياسي المغربي المبني على التوافق والتعاون والتكامل.

من جهة أخرى فلأكن واقعيا وبراغماتيا، فكل من سيأتي بالخير لهذا البلد مرحبا به كيفما كان موقعه، يجب أن ننظر إلى الأمور نظرة إيجابية، نحن نريد أن تكون في بلدنا حركية اقتصادية ودبلوماسية يساهم فيها الجميع، جلالة الملك له علاقات أخوية وقوية مع قيادات بلدان الخليج ومع قيادات العالم، ولا شك أن هذه العلاقات تجلب الخير للمغرب، ومستشاروه أيضا لهم مكانة خاصة ولهم تجارب وعلاقات واسعة نريد للمغرب أن يستثمرها ويستفيد منها لما فيه خير البلد، وللحكومة ووزرائها مكانتهم الدستورية وعلاقاتهم التي نريدهم أن يستثمروها في جلب الخير وفي التنمية، وذلك ينطبق على رجال الأعمال والمستثمرين وعلى كل الفاعلين في البلاد.

الذين يريدون ويسعون ليجعلوا قطيعة بين المؤسسة الملكية ومؤسسة الحكومة وبين مؤسسة الحكومة ومؤسسة البرلمان والمجتمع، ويحاولون إشعال التوتر بين هذه المؤسسات لن ينجحوا في ما يسعون إليه، ولن يتحقق لهم ما يريدون، فالتعقل والنبوغ والإبداع المغربي الذي تفادى التوتر الذي حصل في عدد من الدول العربية سيتفادى كل التوترات الكبيرة منها والصغيرة التي يحاول البعض إثارتها.

 قلتم إن هذه الجولة تأتي في إطار توجه جديد للمغرب نحو الخليج، ألا يخشى المغرب أن يفقد شركاءه الأوروبيين والأميركيين وأن يشوش هذا التوجه على علاقته معهم؟

كل بلد له سيادته، وكل بلد -بدءا بهذه الدول الأوروبية التي تحدثت عنها- يفكر في مصالحه، وانظر على سبيل المثال إلى فرنسا وأميركا كيف تتوجهان إلى دول الخليج، وكل دول العالم اليوم تسعى لتنويع علاقاتها وشراكاتها دون أن تفقد شركاءها وحلفاءها السابقين.

أعتقد أنه كلما استطاع المغرب أن ينوع شركاءه، سواء من الدول أو المؤسسات الدولية أو مؤسسات القطاع الخاص، فذلك في مصلحته بل وفي مصلحة شركائه أيضا، من مصلحة فرنسا وإسبانيا وأميركا وكل شركائنا أن يكون المغرب قويا من الناحية السياسية والاقتصادية.

لا أعتقد أن هناك دولة عاقلة وراشدة تريد لشركائها أن يكونوا ضعفاء اقتصاديا، شركاؤنا الغربيون يريدوننا أن ننهض اقتصاديا وتنمويا، خصوصا مع الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العالم، ونحن أيضا نريدهم أن ينهضوا، اليوم ينظر إلى تنويع الشركاء وتعددهم على أنه تقوية للعلاقات الإستراتيجية.

 بعد نحو عشرة أشهر من تولي حكومة عبد الإله بنكيران زمام الأمور في المغرب، ما أهم المنجزات التي ترون أنكم حققتموها؟

بلادنا والحمد لله استطاعت من قبل أن تحقق إنجازات سياسية واجتماعية واقتصادية مكنتها من ألا تنزلق إلى ما انزلقت إليه كثير من الأقطار الأخرى، بما فيها الدول الأوروبية، وفي الوقت نفسه لدى المغرب عدد من الإكراهات والتحديات، إما مرتبطة بملفات لم يحسن تدبيرها أو قطاعات لم ينجح فيها، أو مرتبطة بالتحول الذي عرفته الأجيال وأصبحت لها مطالب كبيرة جدا، أو مرتبطة بغياب التوازن بين المناطق في المغرب، حيث بعضها لم يصله بعد ما يكفي من التنمية.

في العقود الماضية لم تقرب كثير من الحكومات بعض الملفات الشائكة خوفا على سمعتها وشعبيتها ومكاسبها الانتخابية، فأجلتها وتركت نتائج ذلك السلبية تتفاعل

وبطبيعة الحال نحن كحكومة لم نأت لكي نبكي، بل نريد أن نستحضر هذا الواقع بإيجابياته وسلبياته، بإنجازاته وإخفاقاته، بصلاحه وفساده، ولا بد أن نستحضره ونستحضر أننا جئنا في لحظة تاريخية وقعت فيها أحداث لم يكن أحد يتوقع أن تقع، ابتداء من الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت مؤشراتها عام 2008 لكن لا أحد كان يتوقع أن تصل إلى ما وصلت إليه الآن خاصة في أوروبا، ووصولا اليوم إلى ما يعرفه العالم العربي من ثورات شعبية.

حكومتنا أمامها إذن أن ترسخ وتجذر وتعمق كل المكتسبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا ليس بالشيء الهين، وفي الوقت نفسه عليها أن تعالج كل الاختلالات وتواجه التحديات وتستجيب لمطالب اجتماعية كبيرة، أضف إلى ذلك مهمة مواجهة آثار الأزمة العالمية.

نحن نتشرف بأن نتحمل هذه المسؤولية في هذه اللحظة التاريخية ونحن مستعدون لأن ننجز ما نستطيع لنساهم في تقدم المغرب، لكن لا يمكن أن نتصور أن ذلك هين، فما يعيشه المغرب اليوم هو نتيجة سياسات اجتماعية واقتصادية واختيارات وتدابير سابقة تراكمت عبر عقود.

إصلاح هذا الوضع يحتاج إلى إرادة وهي موجودة لدينا، ويحتاج إلى رؤية وهي موجودة لدينا، ويحتاج إلى مشاريع وبرامج وهي أيضا موجودة، ولا شك أننا سنواجه عراقيل ومثبطات، وهذا شأن كل عملية إصلاحية.

 سنأتي على التحديات والعراقيل التي تواجهكم، لنتحدث الآن عن الإنجازات.

استطعنا رغم كل ما ذكرت سابقا أن نصالح المغاربة مع السياسة، مع مجيء هذه الحكومة أصبح المغاربة يتابعون الحياة السياسية بكثافة بعد أن كانوا عازفين عنها، وأصبحوا يتابعون جلسات البرلمان التي يتم فيها مراقبة العمل الحكومي، ويتابعون الشأن العام.

هناك عدد كبير من الشباب أصبح مقبلا على الحياة السياسية، هناك روح جديدة تسري في الحياة السياسية بالمغرب، وهذا نعده إنجازا مهما، لأن فيه نوعا من تحرير الإرادات التي كانت إما معطلة أو متوارية إلى الخلف، ولا شك أن هذا سيكون له الأثر الكبير على بلدنا.

على المستوى السياسي أيضا الحكومة الآن تشتغل على قدم وساق لتنزيل مضامين الدستور الجديد الذي صوت عليه المغاربة في بداية يوليو (تموز) 2011، حيث نعمل على تنزيل مشاريع القوانين التي يحتاجها تطبيقه، وكذا المؤسسات التي نص على إحداثها.

وفي الجانب الاجتماعي اتخذت الحكومة قرارات آنية وبدأت مشاريع نوعية من المنتظر أن يكون لها الأثر على المدى المتوسط وكذا على المدى الطويل، فقد ضاعفنا ميزانية العالم القروي (الأرياف) مرتين، ونسير في اتجاه توحيد جميع المشاريع والمبادرات الحكومية التي تسعى للتنمية في العالم القروي، بحيث تتركز الجهود في مكان واحد وفي وقت واحد كي تكون ناجعة.

هذه الحكومة أيضا زادت في منح الطلاب الجامعيين التي لم تتغير منذ عقود طويلة، وشملت الزيادة مبلغ المنحة حيث ارتفع بنسب تصل إلى 50%، كما شملت عدد الممنوحين، وهناك عمل جبار آخر على مستوى الجامعات لا يتسع المجال للتفصيل فيه.

على مستوى التعليم غير الجامعي هناك أيضا إجراءات كبيرة ومهمة تتخذها هذه الحكومة، حيث نسعى لإعادة الاعتبار للتعليم العمومي (النظامي) والاهتمام به وتطويره ومعالجة الانفلاتات والاختلالات المسجلة فيه، وإعادة الاعتبار لمكانة المدرس والمدرسة.

حكومتنا أيضا وجدت اختلالات كبيرة في نظام التقاعد، حيث وجدنا أن عددا كبيرا من المتقاعدين لا يتقاضون سوى دراهم معدودة كل شهر (بعضهم يتقاضى 70 درهما، أي أقل من عشر دولارات)، وقررت الحكومة أن يكون الحد الأدنى لما يتقاضاه المتقاعدون ألف درهم (حوالي مائة دولار) في أفق أن نزيد هذا المبلغ إذا تغلبنا على صعوبات اقتصادية تحول دون ذلك، وفي أفق أن نصلح نظام التقاعد والصناديق التي تموله، وهذه معضلة كبيرة للأسف أجلتها حكومات سابقة.

الحكومة اليوم اتخذت أيضا قرارات مهمة في موضوع إصلاح صندوق دعم المواد الأساسية، والذي نسميه عندنا صندوق المقاصة، وهو مخصص لدعم المواد الغذائية الأساسية مثل الدقيق والسكر، وكذا لدعم أسعار الغاز والبنزين، وهدفه الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن، لكننا وجدنا أن هذا الدعم لا يذهب إلى مستحقيه الفقراء، وقررت الحكومة إلغاء هذا الصندوق تدريجيا وتحرير الأسعار وتقديم المبالغ التي يستهلكها على شكل دعم مادي مباشر للفقراء.

أحد أهم مداخل الإصلاح أن نعطي القدوة الحسنة، وسنبدأ بأنفسنا وسنحرص على أن يكون سلوك الوزراء والمسؤولين في مستوى المسؤولية ويكونوا بعيدين عن الشبهات

أحدثنا أيضا صندوقا لدعم الأرامل والمطلقات، وأتممنا مشروعا بدأته حكومات سابقة، وهو مشروع تعميم مساعدة الفقراء على الولوج المجاني للخدمات الاستشفائية والطبية الدنيا، ونعمل الآن على مشروع لتخفيض أسعار الدواء التي يزيد سعر بعضها عن السعر المعقول بما يقارب 40%.

تعمل الحكومة أيضا على تشجيع الاستثمار وتسهيل إجراءاته، وتم تكوين لجنة لدراسة كل الملفات العالقة ومعالجتها، واتخذنا كل الإجراءات الضرورية لإزالة العوائق في وجه الاستثمار، ونعمل على إعطاء الأولوية والامتيازات للشركات المحلية المغربية، دون أن نغفل كل ما من شأنه أن يشجع ويجلب الاستثمار الأجنبي أيضا.

هناك أيضا مشاريع إصلاحية ضخمة وعميقة يعرفها قطاع العدالة في المغرب، وقطاع النقل والبينات الأساسية وقطاع الإسكان وقطاع التشغيل والإدارة وقطاع الخارجية وغيرها من القطاعات والمجالات الحيوية في البلاد.

 ما أهم التحديات التي تواجهكم؟

نعم هناك تحديات، لكننا ننظر إليها بمنطق إيجابي، التحدي الأول هو كيف نستطيع أن نحافظ على التماسك الحاصل في تحالفنا الحكومي المكون من أربعة أحزاب، والأخ رئيس الحكومة حريص على أن ينجح هذا التحالف أكثر مما هو ناجح الآن، رغم بعض الخلافات التي تظهر بين حين وآخر بين مكوناته، وهذا شيء طبيعي.

والتحدي الثاني هو الانتظارات الكبيرة التي يعلقها علينا الشعب المغربي، الذي يريد فوق ذلك إنجازا سريعا، والحقيقة أن المشاريع الإصلاحية التي بدأناها هناك ما سيؤتي منها أكله في المدى المتوسط وهناك ما لن يؤتي أكله إلا على المدى البعيد، تماما مثل ما هو الأمر في الزراعة، حيث إن بعض الأشجار تثمر في وقت قصير وبعضها لا يؤتي أكله إلا بعد سنوات طويلة، ونحن في الحكومة يهمنا أن تكون الثمار مفيدة للمغرب والمغاربة، سواء كانت قريبة أو بعيدة، وسواء ظهرت نتائج هذه الإصلاحات على عهد هذه الحكومة أو على عهد حكومات أخرى مقبلة.

هناك تحد ثالث وهو كيف تستطيع هذه الحكومة أن تستثمر كل الفرص المتاحة لها، فالأزمة الاقتصادية العالمية مثلا هي فرصة للمغرب الذي يتمتع الآن باستقرار سياسي تفتقده الكثير من الأقطار، وهو ما يجب أن نسوق له كي نجلب المزيد من الاستثمارات الخارجية، كما يجب أن نرسخ في المغرب ثقافة إدارية جديدة، تجعل من الإدارة خادمة للمواطن والمستثمر بدل أن تكون عامل عرقلة وتشويش.

تحد آخر يجب أن ننتبه إليه في هذه الحكومة، وهو ألا نبقى سجيني المنطق الانتخابي في الإنجاز الحكومي، لا يمكن لحكومة مسؤولة أن تنجز فقط ما يرضي الجماهير، لا بد أن تتخذ القرارات الضرورية لمصلحة البلد حتى لو لم تكن ترضي الناس، لأن مثل هذه القرارات قد تبدو في البداية سيئة وتغضب الجماهير، لكن بعد مدة ستظهر فائدتها للوطن.

ما حصل في العقود الماضية أن كثيرا من الحكومات لم تقرب بعض الملفات الشائكة خوفا على سمعتها وشعبيتها ومكاسبها الانتخابية، فأجلتها وتركت نتائجها السلبية تتفاعل، التحدي هنا هو كيف يمكن أن ننجز أشياء قد تبدو غير شعبية، لكنها في الواقع مفيدة للوطن.

 في هذه النقطة خاصة، يتهمكم خصومكم بالقول إن الشعب المغربي لم ير من هذه الحكومة إلا الزيادة في أسعار المحروقات والزيادة في قمع الوقفات الاحتجاجية؟

مثل هذا الحديث أسميه شخصيا حديث المقاهي، فالزيادة في أسعار المحروقات إنجاز كبير وقرار جريء لم يتجرأ أحد في السنوات الأخيرة على اتخاذه، نحن اتخذناه لمصلحة الشعب المغربي، لأن صندوق دعم المواد الأساسية ودعم المحروقات استنزف قسطا كبيرا من موازنة الدولة، ووجدنا أن هذا الدعم لا يذهب إلى مستحقيه، فكان لا بد من قرارات شجاعة لإصلاح هذا الوضع، وكان أولها الزيادة في أسعار المحروقات وستليه إصلاحات أخرى تجعل أموال هذا الصندوق تذهب مباشرة إلى مستحقيها.

مثل هذه القرارات الصعبة قد تبدو في البداية سيئة وتغضب الجماهير، لكن بعد مدة ستظهر فائدتها للوطن

لقد فضلنا الزيادة في أسعار المحروقات على أن نقتطع لصالح هذا الصندوق من الأموال المخصصة للاستثمار في قطاعات حيوية للشعب المغربي مثل التعليم والصحة والبنيات الأساسية، صحيح أن القرار الذي اتخذناه كان مرا، لكننا نعده مثل الدواء قد يكون مرا لكنه مفيد للجسم، أسعار البترول أصبحت مرعبة وتنهك موازنة الدولة، واتخذنا قرار الزيادة لنتفادى به ما هو أخطر منه، نحن لا نريد أن نتراخى حتى نصل إلى مرحلة تفرض علينا فيها المؤسسات الدولية شروطا قاسية وسياسات ستكون لها عواقب اجتماعية وخيمة.

أما في ما يخص ما ذكرتم بخصوص الوقفات الاحتجاجية، فتاريخ المغرب لا يمكن لأحد أن يلغيه بجرة قلم، فلنتساءل ماذا كان يجري في المغرب قبل مجيء هذه الحكومة، فليتذكر الجميع الحالة السياسية التي أوصلنا إليها البعض عام 2009، قد تكون بعض التجاوزات حدثت في عهد هذه الحكومة، وإذا ثبت ذلك فلا يمكن لأحد أن يقبل هذه التجاوزات، لكن لا بد لمن يريد أن يناضل ويحتج أن يفعل ذلك في إطار القانون والمؤسسات، أما أن يحتل البعض الطريق العمومي أو المؤسسات والإدارات ويطالب بسقوط الحكومة أو بسقوط وزير، فهذا ليس من النضال في شيء.

الاحتجاج مقبول ما دام لا يؤثر على السير العام لمرافق الدولة ولا يعرقل الخدمات التي تقدمها الإدارات للمواطنين، ولا يعتدي على حقوق الناس وحرياتهم ولا يعطل مصالحهم، أما إذا كان الأمر غير ذلك، فإن رئيس الحكومة الأستاذ عبد الإله بنكيران اتخذ قرارا لا رجعة فيه، وهو أن مثل هذه السلوكات وهذا الاحتلال للفضاءات والإدارات العمومية لا يمكن أن يتكرر، لأن هذه الأماكن ليست ملكا للحكومة ولا لبنكيران، بل هي ملك للمغاربة جميعا.

 تعدكم المعارضة بما تسميه موسما سياسيا ساخنا هذا العام، حتى إن بعض مسؤولي حزب الأصالة والمعاصرة وصلوا حد التلويح بإمكانية تفعيل الآليات البرلمانية لإسقاط الحكومة، ماذا أعددتم لهذه المواجهة؟

المعارضة لها مكانتها المتميزة التي نص عليها الدستور المغربي، والمعارضة مكونة من أحزاب، والحزب الذي لا يقوم بدوره في الحياة السياسية فهو لا يصلح، شريطة أن يكون حزبا نابعا من إرادة شعبية حقيقية، وأن يحترم قواعد الديمقراطية.

من الطبيعي أن تقوم المعارضة بدورها، والحياة السياسية تحتاج إلى سخونة من جانب الأحزاب السياسية ومن جانب الحكومة ومن جانب النقابات، لكن هذه السخونة إذا زادت على حدها قد تتحول إلى انفجار، وإذا كانت مبنية على إشاعات ومغالطات وأكاذيب فإنها تتحول إلى أجندة غير واضحة، وإذا لم تكن مبنية على ملفات ومشاريع ستصبح مجرد كلام لا يفيد الشعب.

نحن مستعدون لكل أشكال المواجهة، وما تحملنا هذه المسؤولية إلا لنقوم بها ونحمي هذه التجربة الفتية بكل ما يخوله لنا القانون.

 يجري في الساحة السياسية منذ تعيين الحكومة نقاش من نوع خاص بشأن ما تسميه المعارضة التأويل الديمقراطي للدستور، وشمل هذا النقاش على الخصوص ما يعرف بالصلاحيات الدستورية، حيث اتهمت المعارضة رئيس الحكومة بالتراجع والتخلي عن صلاحياته التي يخولها له الدستور مقابل "توافق مبالغ فيه" مع المؤسسة الملكية حسب قولهم، ما تعليقكم على ذلك؟

يتحدثون عن التأويل الديمقراطي للدستور، فهو إذن يبقى تأويلا، والتأويل يختلف فيه الفقهاء، ولكل حزب ولكل فريق تأويله الخاص للدستور، وليس هناك تأويل واحد.

الذي يحسم في التنزيل الديمقراطي للدستور هو المؤسسات، الحكومة مثلا ليس لها أن تأتي بقوانين دون أن يوافق عليها البرلمان، وهذا تنزيل ديمقراطي للدستور، ومن يحتج اليوم على الحكومة فالتاريخ أمامنا قريب، الدستور السابق كان يعطي الحكومة صلاحيات كبيرة لكن من ينتقدوننا اليوم لم يستثمروا صلاحياتهم الدستورية في السابق.

يجب أن نحذر من منطق البحث عن إيجاد نزاع بين رئيس الحكومة وجلالة الملك، لن ينجح أبدا أصحاب هذا المنطق، ولن ينجحوا في إيجاد صراع بين الوزراء ومستشاري جلالة الملك، والمغرب مبني على التكامل والتوافق والتوازن بين كل مؤسساته، ومبني أيضا في إصلاحاته على التدرج وتثبيت المكاسب وتطويرها.

 هناك من يتهم أيضا حزبكم (العدالة والتنمية) الذي يقود التحالف الحكومي بأنه أخلف وعوده مع المواطنين، فقد رفع في الحملة الانتخابية شعار محاربة الفساد والاستبداد، لكنه حتى الآن لم يفعل شيئا لمحاربة هذا الفساد؟

عندما تكون في المعارضة أنت تناضل بالاحتجاج والاقتراح، وعندما تصبح في الحكومة أنت تناضل بالإنجاز، والفساد ليس مجرد تفاصيل وتقنيات ومظاهر بسيطة، بل أصبح ثقافة وتجذر في كثير من المؤسسات عبر عقود من الزمن، وأحيانا يستفيد من ضعف القوانين، وأحيانا له امتدادات في مؤسسات وفي أحزاب وفي هيئات المجتمع المدني، كما أن تيارات الفساد طورت أساليب عملها.

لا يمكن لحكومة مسؤولة أن تنجز فقط ما يرضي الجماهير، لا بد أن تتخذ القرارات الضرورية لمصلحة البلد حتى لو لم تكن ترضي الجماهير

الحكومة اليوم وهي تنزل الدستور وتنزل مشاريع إصلاحية كبرى في كل المجالات هذه أحسن طريقة لمحاربة الفساد والاستبداد، في محاربة الفساد هناك ما يحتاج قرارات آنية بسيطة، وهناك ما يحتاج إلى تغيير ثقافي يأخذ وقتا طويلا ولا تظهر نتائجه على الفور.

الحكومة لا تزال في سنتها الأولى، وإن شاء الله ستظهر بعض من نتائج عملنا في السنوات القليلة القادمة، مع العلم أن تيار الإفساد لا بد سيطور أساليبه لمواجهتنا، لكننا مصممون على محاربة الفساد ولن نتراجع ولن نستسلم، ونحن متفائلون.

وأحد أهم مداخل الإصلاح أن نعطي القدوة الحسنة، وسنبدأ بأنفسنا وسنحرص على أن يكون سلوك الوزراء والمسؤولين في مستوى المسؤولية ويكونوا بعيدين عن الشبهات، ثم سنفعل منطق المحاسبة والمراقبة ونفعل المؤسسات المنوطة بها هذه المهمة.

 خصومكم يقولون إنكم بدأتم بخطوات يسمونها اندفاعية، كنشر قوائم المستفيدين من مأذونيات استغلال خطوط النقل العام بين المدن، ونشر قوائم الجمعيات التي تستفيد من التمويل الحكومي ومن التمويل الخارجي، ووعدتم بنشر أسماء المستفيدين من استغلال رخص مقالع الرمال والأحجار، لكن بمجرد أن قامت عليكم ضجة تراجعتم إلى الوراء؟

لم نتوقف ولم نتراجع، فلكل شيء زمانه ومكانه وإجراءاته، التوجه العام موجود، لكن التنزيل يختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن قطاع إلى قطاع، نحن مصرون على أن نرسخ الشفافية والحكامة الجيدة والنزاهة، وتنزيل ذلك فيه ما يحتاج إلى قوانين وما يحتاج إلى تدقيق في المعلومات وما يحتاج أيضا إلى توافقات وما يحتاج إلى دراسة الآثار والنتائج.

بعد نشرنا للقوائم التي ذكرتم، بدأ العمل، ففي قطاع النقل مثلا اتخذنا عدة إجراءات حررنا من خلالها عدة مجالات للنقل كي تخضع للمنافسة الحرة والشفافة، وفي مجال الجمعيات والمجتمع المدني نسير الآن نحو ترسيخ منطق الشراكة الشفافة المبنية على المشاريع الواقعية، بل أكثر من ذلك، قررنا أن يكون حتى توزيع الموازنة بين الوزارات مبنيا على الفاعلية والإنجاز.

 هل أنتم مطمئنون لتحالفكم الحالي، خاصة أن البعض يصفونه بأنه تحالف هش يمكن أن ينهار عند أول عاصفة، ويضربون مثلا بالأمين العام الجديد لحزب الاستقلال -ثاني أكبر حزب في التحالف الحكومي- الذي يشهر في كل مناسبة سيف المطالبة بتعديل حكومي وينتقد أداء الحكومة؟

شخصيا أتفهم أن يكون للأمين العام الجديد لحزب الاستقلال رأيه الخاص وأن يكون له برنامجه وتكون له أولوياته لأنه بنى حملته الانتخابية التي حملته إلى هذا المنصب على وعود بهذا الأساس، والتزاما منه يريد أن يدافع عن رؤيته وأولوياته، لكن هناك فرق بين ما يمكن أن تفعله داخل حزبك وما يمكن أن تفعله داخل التحالف، برنامج التحالف مبني على التوافق بين أربعة أطراف، وضمن هذا التوافق يجب أن يجتهد كل حزب.

يجب أن ندافع عن برنامج التحالف وليس عن برامج أحزابنا، وإذا كان هناك رأي لأحد الأحزاب يريد من خلاله اقتراح مراجعة أمر ما، فهناك طرق معروفة لذلك، وهناك مؤسسات لهذا التحالف يجب المرور عبرها وطرح الموضوع عليها، مثل هذه الأمور ليس مكانها الإعلام أو التجمعات الحزبية، بل المؤسسات التي تجمع التحالف المشكل للحكومة.

وحتى إذا قدر الله أن حزبا ما اجتهد وكان في المعارضة ويرى أن مكانه الطبيعي في الحكومة، أو كان في الحكومة ورأى أن مكانه الطبيعي في المعارضة، فهذا شيء طبيعي يمكن أن يقع في الحياة السياسية ويحدث في كل الديمقراطيات، ونحن لا نتمنى ذلك، وحريصون على التحالف، لكن إذا حصل شيء من هذا فلنا القدرة على احتوائه وتجاوزه، صحيح أنه إذا خرج حزب الاستقلال من التحالف سيشكل ذلك مشكلة، لكن الأكيد أن هناك بدائل والمغرب متنوع من الناحية السياسية، نحن لا نتمنى أن يقع ذلك، لكن إذا وقع فلا شك أن هناك حلولا، فتاريخ المغرب لا يتوقف على حزب معين، أو على حكومة معينة أو على وزير معين.

المصدر : الجزيرة