نساء يبعن المواد الغذائية والأدوات المنزلية في سوق حمروين بمقديشو (الجزيرة)

قاسم أحمد سهل-مقديشو

الحرب الأهلية التي اندلعت في الصومال 1991 أدت إلى تدمير البنى التحتية، وجميع مؤسسات الدولة بكافة أشكالها الإدارية والخدمية والعسكرية، فنتجت من ذلك تداعيات كثيرة، منها فقدان كثير من العاملين في هذه المؤسسات -وأغلبهم من الرجال- عملهم الذي كان يضمن لهم إعالة أسرهم.

لهذا اضطر عدد كبير من النساء إلى الانخراط في سلك العمل، لاسيما في مجالات بيع المجوهرات والأقمشة والملابس الجاهزة الجديدة والمستعملة والأدوات المنزلية، وبيع المواد الغذائية والألبان واللحوم والخضروات والفواكه والوقود والقات، والعمل في صالونات التجميل وممارسة بيع التجوال وغير ذلك، لسد الفراغ وتحمل مهمة كفالة وإعالة الأسر.

مجالات عمل مختلفة
فرحية محمود -وهي متزوجة وعندها سبعة أولاد، وتبيع الخضروات منذ أربع سنوات في سوق حمروين بمقديشو- أكدت للجزيرة نت أن زوجها عاطل عن العمل، وأن أسرتهم تعتمد كليا على ما تحصله من تجارتها دون أن يكون هناك مصدر دخل آخر.

تاجرة الملابس المستعملة في مقديشو حمدي محمود تعيل أسرة دون معين (الجزيرة)

وفي مكان آخر، من السوق تبيع حمدي محمود الملابس المستعملة، وقد قالت للجزيرة نت إن زوجها لا يعمل منذ فترة، وإنها هي التي تنفق -منذ سبع سنوات- على أسرتهم المكونة من عشرة أفراد (الأبوان وثمانية أولاد)، مضيفة أن "أداء السوق غير مستقر، مرة نحصل على فائدة ومرة لا نحصل عليها، وفي كل الأحوال أصبر على تجارتي لمصلحة أولادي، ولا أريد أن يشعروا بالجوع ما دمت حية".

ومن جانبها، ذكرت ذهبة أحمد أنها تبيع المواد الغذائية في سوق حمروين منذ أكثر من سنتين، وأن عندها عشرة أولاد توفي أبوهم في وقت سابق، وقالت إن تجارتها تساهم بصعوبة كبيرة في إعالة أسرتها بسبب أنها لا تأتي بفوائد في بعض الأحيان، مما يضطرها إلى استعمال جزء من رأس المال للإنفاق على الأسرة، وسد بعض متطلبات الحياة، حسب قولها.

وتقدر دائرة شؤون المرأة التابعة لوزارة تنمية الخدمات الاجتماعية الأسر الصومالية التي تعتمد على إعالة النساء العاملات كليا أو شبه ذلك بـ70%، حسب ما ذكرته المديرة الإقليمية للدائرة نظيفة عبدي ديرشة في حديث للجزيرة نت. وقد قدرت أيضا النساء العاملات اللواتي يتحملن إعالة الأسر بسبب وفاة أب الأسرة بنحو 60%.

وأوضحت نظيفة أن 40% من النساء العاملات يكفلن الأسر مع وجود أزواجهن الذين قالت إن قليلا منهم يقفون إلى جانب المرأة لدعمها، وتحمل جزء من الأعباء التي تترتب على إنفاق الأسرة، من توفير المصروف اليومي وأجر المسكن والرسوم الدراسية وغيرها مما تتطلبه الحياة.

طوق نجاة
واعتبرت النائبة مريم معلم إسحق حضور المرأة الصومالية في مجال العمل بطولة وطوق نجاة للأسر الصومالية، بسبب تقديمها تضحيات جمة لضمان لقمة العيش لأسرتها غير آبهة بالحروب والاشتباكات المتكررة، بينما تورط الرجال -وفق نظرها- في سفك الدماء والتدمير وإذكاء الفتن، وقادوا البلد إلى ويلات وهلاك ودمار وحروب لا تنتهي.

مريم معلم إسحق: لولا النساء لكانت حياة كثير من الأسر في غاية الصعوبة (الجزيرة)

وقالت "لولا تحرك النساء في الوقت المناسب لكانت حياة كثير من الأسر الصومالية في غاية الصعوبة باعتراف الجميع، حتى الرجال أنفسهم، ولمات كثير من أفراد الأسر جوعا"، مضيفة أن المرأة تمارس معظم الأدوار في الأسرة، من منفقة إلى مربية فحاضنة في آن واحد، بينما لا يحرك بعض الرجال ساكنا في نظرها، وينهمكون في الحديث في المقاهي ومجالس القات.

ورأت مريم أن الرجال لم يكنوا سندا لزوجاتهم اللاتي شمرن للعمل تحت ظروف متقلبة، لمصلحة الأسر على حساب أجسامهن التي تغيرت بسبب الشمس الحارقة، وتحملهن متاعب الحمل في مواقع عملهن، وقالت "لا يتوقف أكثرهن عن العمل إلا أسبوعا بعد وضعهن".

جوانب سلبية
ولا يخلو نزول المرأة الصومالية إلى ميادين العمل من بعض السلبيات، من بينها التقصير في حق الأولاد المترتب على غياب المرأة عن المنزل ساعات كثيرة، وفق ما ذكره الأستاذ محمد أحمد خليف من جامعة بنادر بمقديشو. وقال إن المرأة تعود إلى المنزل مرهقة ولا تجد وقتا كافيا للاهتمام بالأولاد وتربيتهم، مما يؤثر سلبا على سلوكهم.

كما أن عمل المرأة المتواصل يتسم بصعوبة أحيانا، ولاسيما تحت الظروف المختلفة من التغيرات الاجتماعية، كالزواج والحمل والولادة التي تحتاج إلى فترة معينة من الراحة والتقاط الأنفاس، وهو أمر لا تتمكن منه، وفق الأستاذ خليف. وأضاف أن التحسن في المستوى المادي للرجال وخلق فرص عمل ملائمة لهم قد يكون المخرج من هذه المشكلة.

المصدر : الجزيرة