مسجد بمدينة بواتييه الفرنسية التي توقف عندها الفتح الإسلامي لغرب أوروبا أوائل القرن الثاني الهجري (الفرنسية)
في قلب هضاب بورغوندي الحرجية بوسط فرنسا، يدرب معهد فريد من نوعه تلامذة فرنسيين يأملون أن يصبحوا أئمة كي يخدموا المسلمين المنتشرين بأعداد كبيرة في البلاد التي يعد عدد المسلمين بها الأكبر في أوروبا الغربية، إذ يقدر بستة ملايين نسمة.

والعلاقات بين السلطات والمسلمين -الذين هم في غالبيتهم مهاجرون من الجيل الثاني أو الثالث خصوصا من أفريقيا الشمالية- لطالما كانت متوترة.

وفي السنوات التسع الماضية، شجعت حكومات كثيرة فكرة تدريب قادة دينيين محليين بطريقة محترفة. وأعرب وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس مؤخرا عن دعمه للفكرة، علما بأن الإمام لا يتلقى أجرا كافيا، هذا إن تلقى أجرا في الأساس، ولا يحظى باعتراف رسمي.

وجرت العادة أن يختار المؤمنون أئمتهم الذين يعملون متطوعين أو يتلقون الهدايا بدل الأجر المادي. وقد يصل أجر الأئمة في الجوامع الكبيرة إلى 1950 يورو شهريا، لكنهم يصنفون على أنهم معلمون أو أساتذة وليسوا أئمة.

وانطلقت هذه المبادرة قبل 20 سنة عندما حول اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا مركزا ترفيهيا سابقا للأطفال إلى معهد لتدريب الأئمة الذين يملكون "معرفة جيدة بالإسلام والوقائع الاجتماعية الثقافية في أوروبا".

وكان الهدف من هذا المشروع توفير بديل عن استخدام الأئمة الأجانب الذين لا يتكلمون بمعظمهم الفرنسية، ولا يملكون دراية كافية بالثقافة الفرنسية.

ويؤمن المعهد -الذي مولته دول الخليج في البداية- معظم مصاريفه من رسومه التي تبلغ حوالي 4400 دولار سنويا، وتشمل المسكن والمأكل.

 وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس يتحدث بالجامع الكبير في ستراسبورغ (الفرنسية- أرشيف)

تكوين
وفي الصباح الباكر، يدخل نحو 200 تلميذ من كل أنحاء البلاد المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في سان ليجيه دو فوجوريه، حيث يتعلمون تلاوة القرآن الكريم، ويدرسون الدين الإسلامي، والأدب العربي.

وبعد سبع سنوات من الدراسة المكثفة، يتخرج نحو عشرة طلاب منهم فقط كل سنة للإمامة والخطابة في الجوامع، علما بأن فرنسا بحاجة دائما إلى أئمة جدد.

ويقول مدير المعهد زهير محمود إن "تدريب الأئمة الآتين من صلب المجتمع الفرنسي ضروري، لأن 70% من المؤمنين اليوم لا يتكلمون العربية".

أما الطالب وهيب البالغ من العمر 18 عاما فيقول "منذ صغري وأنا أحلم بأن أصبح إماما، لكن سبع سنوات مدة طويلة والمنح ليست متوافرة".

وباستثناء موقع المعهد الريفي، يشبه جو المبنى الأجواء في أي مدرسة أخرى، حيث إنه في فترة الاستراحة ينتظر الرجال والنساء القهوة. ويحق للنساء حضور الحصص الأسبوعية الممتدة على 20 ساعة، لكن لا يستطعن أن يتولين منصب الإمامة.

أما الطالب سعيد (33 عاما) فقد ولد في المغرب، وهو يعيش اليوم في مدينة نيس في غرب فرنسا. ويقول إنه تابع حصصا دراسية بالمراسلة لمدة سنتين، ثم ترك عائلته ليعمق معرفته بالإسلام ويصبح إماما.

ويوضح "إنها رسالتي في الحياة. وأود أن أنقل معرفتي إلى الآخرين، وأن أحارب التطرف قبل كل شيء".

ويضيف سعيد "أن تصبح إماما ليس بالأمر السهل بل هو مسؤولية كبيرة"، متأسفا أن "الناس يتجاهلون الأئمة المعتدلين بسبب تخبطهم في أزمة تتعلق بالهوية".

ويرى أن "التشدد هو دائما نتيجة الجهل، فلا يمكننا أن نمرر رسالة من دون أن نجيد اللغة الفرنسية. الإسلام يستطيع التأقلم ولا يمنعك من احترام القانون".

ويختم سعيد قائلا "عندما يتم الاعتراف بهذه المهنة وإيفاؤها حقها المادي، فقد يشهد عدد الأئمة ارتفاعا".

المصدر : الفرنسية