اكتظاظ شديد لسيارات الأفراد وشاحنات الإغاثة في معبر باب الهوى (الجزيرة نت)

حسين جلعاد-باب الهوى

تشهد منطقة باب الهوى الحدودية بين سوريا وتركيا هذه الأيام زحاما غير مسبوق، حسب ما يقوله العارفون هنا. ويعزو البعض ذلك إلى أن انتصار الجيش السوري الحر على الفوج 46 من الجيش النظامي، قد أشعر الناس بالأمان فسهل حركتهم في الاتجاهين.       

ويعتبر مركز باب الهوى الحدودي بوابة سوريا الأولى باتجاه تركيا وأوروبا، ويقابلها من الجانب التركي "جيلفه غوزو". ويبعد المعبر قرابة 50 كلم في الشمال الشرقي لمحافظة حلب، وكان الجيش الحر قد أعلن السيطرة عليه منتصف يوليو/تموز الماضي.

ويلحظ الزائر في الجانب التركي سيارات على مد البصر، وتكاد المركبات والشاحنات تقف لساعات طويلة قبل أن يسمح لها بالمرور، كما ينتظر المسافرون في طابور طويل فينجح البعض في الدخول إلى الحدود السورية، بينما يعود البعض أدراجه إلى تركيا.

حشود متنوعة
تتنوع عشرات السيارات والحافلات الواقفة، فمنها شاحنات كبيرة أفاد سائقوها بأنهم يحملون مساعدات إنسانية وغذائية إلى الجانب السوري، وقال بعض السائقين للجزيرة نت إن مصدر المساعدات متعدد، منها ما يأتي من أقطار الوطن العربي وخصوصا دول الخليج، بينما يأتي قسم آخر من تبرعات الشعب التركي.

وبينما شكا بعض المواطنين السوريين من شدة الزحام والتأخير على الجانب التركي، قال آخرون إن هذا الزحام طبيعي خصوصا أن باب الهوى معروف بأنه أهم نقطة عبور مع سوريا. 

وخلال لقاءاتنا مع مواطنين سوريين ينتظرون دورهم للعبور، أفاد كثير منهم بأنهم يأتون من إدلب وريفها أو حلب وريفها ليتزودوا بالمؤن والحاجات اليومية للسكان، وخصوصا مستلزمات الشتاء مثل المدافئ. 

وأكد مواطن تركي -عرّف نفسه بوصفه صاحب شركة نقل- أنه ينقل بضاعة بين الحدود، موضحا أن "هذه مواد غذائية للمناطق المحرومة" في الداخل السوري. 

في المقابل، هناك سوريون يعودون إلى قراهم ومدنهم بعدما أعيتهم حياة اللجوء، ففي حديث مع امرأة تنتظر في سيارة العائلة، تقول إنها تعود مع زوجها وأولادها بعد ستة أشهر من مغادرة محافظة إدلب. وتضيف "لا يوجد أمان في سوريا، لكننا بإذن الله سنعود إلى بلادنا.. الله سيحررنا". 

شاحنات الإغاثة عند المعبر
تنتظر إذن الدخول (الجزيرة نت)

الله معنا
وبين الحشود نقابل أبو محمد، وهو رجل ملتحٍ ناهز الخمسين، ويعرّف نفسه بأنه أحد الثوار، لكنه يقول إنه ينتمي إلى "ثورة الفقراء"، ويعيب على تنظيمات المعارضة أنها لا تقدم ما يستحق لهذا "الشعب السوري العظيم".

ويروي أبو محمد أنه نقل ابن عمه الجريح قبل شهر، ولم يكد يجتاز به الحدود التركية حتى فارق الحياة. "الله معنا فقط" يقولها بتصميم، وهو واثق من النصر على نظام بشار الأسد، لكنه لا يخفي مرارته من الأغنياء الذين تركوا البلاد تصطلي بالجحيم وعبروا الحدود بحثا عن تجارة جديدة، حتى إنهم ساهموا في ارتفاع الأسعار مما ضيق الحياة على اللاجئين السوريين الفقراء. 

يعود أبو محمد إلى "أرض المعركة" بعدما ترك خلفه في تركيا عددا من رفاقه الجرحى الذين "فقدوا أعضاءهم لقلة الرعاية الطبية".

غير بعيد عن ذلك، نقابل أحد السوريين المغتربين ونعرف أنه يعيش في بلغاريا منذ 15 عاما، لكنه يعبر الآن بسيارة جديدة ليبيعها داخل الحدود السورية، ويقول إن السيارات البلغارية مطلوبة لأنها اقتصادية، وحين نسأله "هل أنت تاجر؟"، يجيب بسخرية لاذعة "كل من تراهم حولك تجار".

لكن تجارا آخرين ينفون التكسب عن أنفسهم، بل يصرون على أنهم يخدمون الثورة السورية، ومن هؤلاء أبو زكي الذي أكد حاجة الثوار إلى المركبات، لكنه يشكو مما يسميه الإجراءات المتضاربة للسلطات التركية.

ويوضح أنه دخل الحدود التركية من الجانب الأوروبي بسهولة، لكن الجمارك التركية مع الحدود السورية تمنعه من الدخول بالسيارة التي قادها أربعة آلاف كيلومتر كي يوصلها إلى الثوار.

سوريون قالوا إنهم يتزودون بحاجاتهم اليومية من تركيا ويعودون إلى مدنهم المنكوبة
(الجزيرة نت)

ذهب إلى الثورة
ولن تخطئ العين أما شابة مع أطفالها الثلاثة، أكبرهم لا يتجاوز العاشرة.. يجلس الجميع بين مؤن اللاجئين العينية، منها صناديق كرتونية تحمل شارة الصليب الأحمر الدولي ومكتوب عليها قائمة بالمحتويات: عدس، رز، زيت.. إلخ. كما يلحظ الناظر أيضا كيس طحين، وأغطية نوم شتوية ملفوفة بأكياس من البلاستيك. 

المرأة تبدو مهمومة بانتظار من لا يصل.. تبحث عن وسيلة اتصال مع سوريا، وتسأل العابرين أن يُجري لها أحدهم اتصالا مع الداخل السوري.. ويساعدها فعلا أبناء الحلال، ونعرف من الاتصال أن ذويها تأخروا ساعات ولم يتمكنوا بعدُ من الوصول لاستقبالها. 

المرأة تشيح بوجهها وتهرب من كاميرات الصحفيين المتجولين في المكان، لا تريد الحديث ولا التصوير.. صار السوريون يعرفون بغريزتهم أن الصورة عدو، فهي قد تساوي رصاصة في الرأس إذا وصلت إلى الأجهزة الأمنية في سوريا. 

أخيرا يأتي الفرج، يبدو أن الجد وصل.. يحمل الأطفال ما يستطيعون حمله، وتحمل الأم أصغر أبنائها.. يعبرون إلى بلادهم، ويتركون للمكان أن يحدّث عن قصة شهيد آخر، عن أب ذهب إلى الثورة ولم يعد.

المصدر : الجزيرة