صبية صغار يشاركون في قذف رجال الأمن بالحجارة في محمد محمود (الجزيرة)
أنس زكي - القاهرة
 
على مدى الأيام الأربعة الماضية، عاد شارع محمد محمود الذي يصل بين ميدان التحرير ومقر وزارة الداخلية المصرية إلى واجهة الأحداث بسبب ما شهده من مصادمات بين قوات الشرطة ومحتجين يصرون على الاقتراب من مبنى الوزارة ويرددون الهتافات المعادية للأمن المصري بمسؤوليه وأفراده.
الأحداث الجديدة بدأت يوم الاثنين الماضي، وكان الهدف المعلن هو إحياء الأحداث التي شهدها الشارع نفسه في العام الماضي بهدف الاحتجاج ضد الشرطة التي كان الكثيرون يرون أن ممارساتها لم تتغير كثيرا خصوصا أن السلطة العليا في البلاد آنذاك كانت للمجلس العسكري الذي تولاها عقب تنحي الرئيس السابق حسني مبارك تحت ضغط ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.
الجزيرة نت كانت حاضرة ومراقبة للأحداث منذ اندلاعها حيث ساد انطباع بأن الاحتجاج في هذا الشارع الذي يوجد به المقر الإداري للجامعة الأميركية بالقاهرة ومقر المدرسة الفرنسية، سيكون رمزيا واحتفاليا، خاصة أن وزارة الداخلية أعلنت من جانبها استعدادها للتنسيق مع كل التيارات حتى تخرج المناسبة بصورة إيجابية تعبر عن مصر في عهدها الجديد.

وسار الأمر على هذا النحو حيث قرأ المحتجون الفاتحة على أرواح شهداء العام الماضي ونظم بعضهم مسيرة جنائزية تذكر بالشهداء، ورددوا هتافات تندد بنظام مبارك وباستمرار عدد من رموزه في مناصب قضائية وتنفيذية، وتؤكد أن ممارسات الشرطة لم تتغير، قبل أن تتحول إلى هتافات مناوئة للرئيس الحالي محمد مرسي ورئيس وزرائه هشام قنديل، وأخرى تنادي بإبطال الجمعية التأسيسية التي تتولى كتابة دستور جديد.

بعض المحتجين رفعوا لافتة ترفض دخول الإخوان إلى شارع محمد محمود (الجزيرة)

عنف يمكن تفهمه
وظل إحياء الذكرى سلميا حتى بدأ بعض المشاركين في محاولة إزالة الكتل الخرسانية التي تغلق طريقا فرعيا نحو مقر وزارة الداخلية، فضلا عن إلقاء الحجارة على قوات الأمن التي بدا واضحا حرصها على ضبط النفس، قبل أن تتحول للرد على الحجارة بمثلها وتاليا باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع بهدف تفريق المتظاهرين الذين تطورت وسائلهم إلى استخدام الزجاجات الحارقة.

المثير أن أيا من القوى السياسية والثورية لم تعلن مسؤوليتها عن هذه الاحتجاجات وإن عبر بعضها عن التأييد والتفهم لمطالب المحتجين كما فعل المنسق العام لحركة شباب 6 أبريل أحمد ماهر، الذي قال للجزيرة نت إنه يرفض العنف لكنه لا يستطيع أن يلوم الشباب الذي يشعر بالغضب لتأخر القصاص لأصدقائه الذين سقطوا على أيدي الشرطة قبل عام مضى في نفس المكان.

وأضاف ماهر أنه حتى هذه اللحظة، لم يحاكم أي من ضباط وزارة الداخلية على قتل شهداء الثورة وما تلاها من احتجاجات سواء في محمد محمود أو ما عرف بأحداث مجلس الوزراء أو غيرها، مشيرا إلى أن الرئيس مرسي يتحمل جزءا من المسؤولية عن ذلك لأنه وعد بتطهير مؤسسات الدولة وخصوصا وزارة الداخلية وكذلك القصاص للشهداء.

ومن جانبه فقد حمل حزب الدستور الذي يقوده محمد البرادعي، المسؤولية للنظام الحالي وقال إنه يسير على نفس سياسة النظام السابق خصوصا في ما يتعلق بممارسات الشرطة.

هذا الرجل رفع لافتته في مدخل الشارع اعتراضا على ما يحدث (الجزيرة)

بل مؤامرة
لكن قوى سياسية أخرى خصوصا من التيار الإسلامي ترى في أحداث محمد محمود غير ذلك، حيث وصفها القيادي بحزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، مختار العشري بأنها مؤامرة نظمها رموز الحزب الوطني الديمقراطي المنحل ومسؤولون لم يسمهم، مؤكدا أن من يوجدون في هذا الشارع ويقذفون الحجارة والزجاجات الحارقة ليسوا متظاهرين وإنما هم بلطجية مأجورون.

وأكد القيادي البارز بالحرية والعدالة د. محمد البلتاجي هذا المعنى، وعندما سألته الجزيرة نت عن السبب في عدم القبض على هذه العناصر، ألقى بالمسؤولية على النائب العام السابق عبد المجيد محمود وقال إنه كان يأمر بالإفراج عمن يتم القبض عليهم، مضيفا أن هذا من بين الأسباب التي دعت الرئيس مرسي لتعيين نائب عام جديد ضمن مجموعة القرارات التي أعلن عنها مساء الخميس.

وبينما اعتبر القيادي بحزب الوسط، عصام سلطان، أن أحداث محمد محمود كانت تهدف في الأساس لعرقلة عمل الجمعية التأسيسية للدستور خصوصا عندما قام بعض المحتجين بالانتقال من محمد محمود للهجوم على مقر الجمعية، رأت الجماعة الإسلامية في بيان وصلت إلى الجزيرة نت نسخة منه، أن هذه الأحداث تمثل خروجا على ثورة 25 يناير/كانون الثاني ورغبة في افتعال الأزمات وخلق بؤر للصراع من أجل إسقاط الرئيس المنتخب.

المثير أن أحداث محمد محمود الحالية شهدت عودة لمصطلح تم استخدامه كثيرا في الفترة الانتقالية التي مرت بها مصر وهو "الطرف الثالث" حيث يعتقد البعض أن عناصر غير معروفة الهوية توجد في المكان وتقوم بإشعال الأحداث كلما هدأت حيث تقوم بإلقاء الحجارة نحو المتظاهرين تارة ونحو الأمن تارة أخرى.

وبينما يعبر بعض المصريين عن ملله من تكرار نغمة الطرف الثالث فإن آخرين يعتقدون أن هذا الطرف موجود ويعولون على القرارات التي اتخذها الرئيس مرسي أمس لعلها تجلب لمصر مرحلة جديدة تتم فيها معرفة المتورطين الحقيقيين سواء في أحداث محمد محمود أو غيرها، وتشهد محاكمات حقيقية تكشف الحقائق وتقيم العدل.

المصدر : الجزيرة