حاولت المخابرات الإسرائيلية مرارا تصفية القائد العام لكتائب عز الدين القسام، محمد الضيف، لكنها فشلت كل مرة، وبررت فشلها بأنه هدف يتمتع بقدرة بقاء غير عادية، ويحيط به الغموض، ولديه حرص شديد على الابتعاد عن الأنظار.

من فنان مسرحي ساهم في تأسيس أول فرقة فنية إسلامية بفلسطين اسمها "العائدون" إلى أحد أهم المطلوبين إسرائيليا للتصفية، إنه محمد الضيف، القائد العام لـكتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس).

هو شخصية تحاط بالكثير من السرية، وارتبط اسمه دائما بالحذر والحيطة وسرعة البديهة، لا يظهر إلا لماما، أو لنقل إنه لم يظهر منذ محاولة اغتيال فاشلة -من بين محاولات كثيرة- أواخر سبتمبر/أيلول 2002، وكان حينها قريبا من الموت.

"رأس الأفعى" كما تلقبه إسرائيل نجا بأعجوبة، وبقي منذ ذلك الوقت مشلولا وفق ما هو متداول من معلومات.

المولد والنشأة
ولد محمد دياب إبراهيم المصري، وشهرته محمد الضيف، عام 1965 في أسرة فلسطينية لاجئة أجبرت على مغادرة بلدتها (القبيبة) داخل فلسطين المحتلة عام 1948، استقرت هذه الأسرة الفقيرة بداية الأمر في أحد مخيمات اللاجئين قبل أن تقيم في مخيم خان يونس جنوب قطاع غزة.

فقر أسرته المدقع أجبره مبكرا على العمل في عدة مهن ليساعد والده الذي كان يعمل في محل للغزل.

كبر هذا الطفل الصغير وكبرت معه أحلامه، فكان أن أنشأ مزرعة صغيرة لتربية الدجاج، ثم حصل على رخصة القيادة لتحسين دخله.

الدراسة والتكوين
درس العلوم في الجامعة الإسلامية بغزة، وفي هذه الفترة برز طالبا نشيطا في العمل الدعوي والطلابي والإغاثي، كما أبدع في مجال المسرح.

التوجه الفكري
تشبع الضيف في فترة دراسته الجامعية بالفكر الإسلامي، فانضم إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكان من أبرز ناشطي الكتلة الإسلامية. والتحق بحركة حماس وعُدّ من أبرز رجالها الميدانيين.

التجربة السياسية
اعتقلته إسرائيل عام 1989، وقضى 16 شهرا في سجون الاحتلال حيث بقي موقوفا دون محاكمة بتهمة العمل في الجهاز العسكري لحماس.

تزامن خروجه من السجن مع بداية ظهور كتائب القسام بشكل بارز على ساحة المقاومة الفلسطينية بعد أن نفذت عدة عمليات ضد أهداف إسرائيلية.

video
محمد الضيف الذي انتقل إلى الضفة الغربية مع عدد من قادة القسام في قطاع غزة، ومكث فيها فترة من الزمن حيث أشرف على تأسيس فرع للقسام هناك، برز قياديا للكتائب القسامية بعد اغتيال عماد عقل عام 1993.

أشرف على عدة عمليات، من بينها أسر الجندي الإسرائيلي نخشون فاكسمان، وبعد اغتيال يحيى عياش -أحد أهم رموز المقاومة- يوم 5 يناير/كانون الثاني 1996، خطط لسلسلة عمليات فدائية انتقاماً للرجل أوقعت أكثر من 50 إسرائيليا قتيلا.

اعتقلته السلطة الفلسطينية في مايو/أيار 2000، لكنه تمكن من الفرار مع بداية انتفاضة الأقصى التي عُدت محطة نوعية في تطور أداء الجناح العسكري لحماس.

كما كشفت هذه المرحلة عن قدرة تخطيط وتنفيذ كبيرتين للقائد العام لكتائب القسام التي أقضّت مضاجع الاحتلال بعمليات نوعية أوقعت عشرات القتلى ومئات الجرحى.

محاولات اغتيال
أهمية الرجل العسكرية جعلته مطلوبا على درجة كبيرة من الأهمية لإسرائيل التي ما فتئت أجهزة مخابراتها تعمل ليلا ونهارا في تعقبه وتتصيد الفرصة للإيقاع به.

"القائد البطل" كما يلقبه الفلسطينيون يعلم أنه مستهدف في كل مكان وزمان، لذلك يتعامل بحيطة ويقظة، لا يستعمل أجهزة الهاتف المحمولة كما لا يستعمل الأجهزة التكنولوجية الحديثة، يحذر في كل تحركاته تماما كحذره في اختيار دائرته القريبة منه القليلة العدد.

ورغم نجاحه في البقاء حيا في السنوات الماضية، كان الضيف الملقب بـ"أبو خالد" قريبا من الموت في خمس محاولات اغتيال تعرض لها. أشهرها كانت أواخر سبتمبر/أيلول 2002، حيث اعترفت إسرائيل بأنه نجا بأعجوبة عندما قصفت مروحياتها سيارات في حي الشيخ رضوان بغزة، لتتراجع عن تأكيدات سابقة بأن الضيف قتل في الهجوم المذكور.

ورغم أنه أصيب إصابة مباشرة جعلته مشلولا يجلس على كرسي متحرك وفق تقارير إعلامية، لم يهدأ لإسرائيل بال، وما زالت حتى الآن تعده أحد أهم المطلوبين لديها.

حاولت المخابرات الإسرائيلية تصفيته مجددا، وبررت فشلها بأنه هدف يتمتع بقدرة بقاء غير عادية، ويحيط به الغموض، ولديه حرص شديد على الابتعاد عن الأنظار.

عدوان 2014
وعاد اسم الضيف ليبرز بقوة أثناء العدوان الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة في يوليو/تموز 2014 وحمل اسم "الجرف الصامد"، ونجحت أثناءه المقاومة في إلحاق خسائر غير مسبوقة بجيش الاحتلال.

وفي بيان أذيع في 29 يوليو/تموز، أكد الضيف أنه لن يكون هناك وقف لإطلاق النار مع إسرائيل إلا بوقف العدوان على قطاع غزة ورفع الحصار عنه، معتبرا أن موازين المعركة باتت مختلفة، وأن استمرار عمليات الإنزال التي تقوم بها كتائب القسام خلف خطوط العدو تؤكد أن الاحتلال يرسل جنوده إلى محرقة محققة.

وأضاف الضيف في تسجيل صوتي "جنودنا يتسابقون إلى الشهادة كما تفرون أنتم من القتل والموت، وقد آثرنا مهاجمة جنود العدو خلافا للعدو الذي يستهدف المدنيين كلما استعر القتل بجنوده، ولن ينعم هذا العدو بالأمن ما لم يأمن شعبنا، ولن يكون هناك وقف لإطلاق النار إلا بوقف العدوان ورفع الحصار كاملا".

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية