أسماء أول ٤٠٠ مهاجر سوري للبرازيل منقوشة على حجرغرانيت داخل نادي حمص في ساو باولو (الجزيرة الإنجليزية)

غابريل إليزوندو-ساو باولو

في غرفة المؤتمرات المزخرفة في نادي حمص بمدينة سان باولو كأنها مكتب لأحد كبار الوزراء الحكوميين السوريين حيث رتبت الكراسي المريحة بطريقة منمقة حول طاولة بيضاوية ملمعة مصنوعة من خشب البلوط، وزينت قطع رائعة من الفن العربي الجدران، وغطت ستائر طويلة النوافذ.. في وسط هذه الغرفة على مستوى نظر العين هناك صورة داخل إطار تسحر الألباب للرئيس السوري بشار الأسد.

لكن المكان ليس دمشق بل هو نادي حمص الاجتماعي الذي تأسس منذ عقود وسمي باسم أول مجموعة من المهاجرين السوريين إلى البرازيل. وهو يقع في شارع أفينيدا بوليستا في سان باولو الذي يعج بالحركة والنشاط، ويمكن المرور مرور الكرام على النادي دون الانتباه إليه بسبب النقوش والكتابة المتواضعة على واجهته الأمامية. 

ويعتبر النادي رمزا لأول 400 من المهاجرين السوريين وكلهم من حمص ومعظمهم من المسيحيين الذين قدموا بدعوة من الإمبراطور البرازيلي دون بيدرو الثاني الذي تولى الحكم للفترة من 1831 حتى 1889، وكان شخصية عالمية كثيرة الأسفار إلى بلدان العالم وكان يتكلم العربية من بين عدة لغات أخرى. 

حاليا يعتبر هذا النادي في سان باولو رمزا للنفوذ السوري الذي تمكن ملاحظته من خلال المستشفى السوري اللبناني، وجسر الجمهورية العربية السورية والكاتدرائية الأورثوذوكسية السورية والنادي الرياضي السوري، ناهيك عن عشرات المحلات والمطاعم التي يديرها السوريون داخل المدينة.

ورغم عدم وجود إحصاءات دقيقة لعدد الجالية السورية في المهجر في البرازيل فإن العدد المقدر هو في حدود أربعة ملايين مواطن برازيلي ينحدرون من أصل سوري، كما يقول الكاتب السوري في سان باولو تمام دعبول، وعلى ضوء تصاعد الحرب في سوريا، فإن هؤلاء منقسمون بشكل كبير شأنهم شأن مواطنيهم في بلدهم الأصلي. 

مدخل نادي حمص في سان باولو

دعم للأسد
عبر إدواردو إلياس -وهو من أصل سوري وعضو قديم في نادي حمص والرئيس الحالي لاتحاد الجاليات العربية في البرازيل- عن القلق العميق من الصراع في سوريا ولكنه يدعم الرئيس بشار الأسد. 

ويقول في هذا السياق "أعتقد أن من واجبي كابن مهاجر سوري وكما أقسمت لوالدي أن أدافع عن سوريا على الدوام وسوف أقوم بذلك، ولا يمكن استمرار هذا الصراع لأن المقاتلين الأجانب هم من يهاجمون ومعهم سوريون لا يفكرون في بلدهم ولا يهمهم سوى أمور السلطة والسياسة". 

ويجلس إلياس في غرفة المؤتمرات في نادي حمص ويمعن في سرد القصص عن زياراته لسوريا التي فاق عددها عشرين ويبرز صورا تجمعه مع الأسد لدى زيارته لسان باولو مع زوجته أسماء في 2010 وحينها ألقى خطابا حملنا فيه المسؤولية الكبيرة حينما قال بشار "يجب على كل منكم أن يكون سفيرا لسوريا لنجعل سوريا أكبر"، كما يقول إلياس.

ولكن وعلى الجانب الآخر من المدينة، وفي منزل صغير في إحدى ضواحي الطبقة العاملة هناك وجهة نظر مختلفة حيث يعيش عامر المسعراني وهو سوري عاش في ساو باولو لمدة خمسة عشر عاما وهو منكب على كمبيوتر وعلى صفحة فيسبوك معارضة للأسد تعمل شبكة دعم للمهاجرين السوريين في البرازيل. 

ويقول المسعراني إن سلطات الهجرة البرازيلية تلقت 90 طلبا من سوريين هذا العام لمنحهم وضع لاجئين وتمت الموافقة على 34 منها، وتأجل البت في الباقي. 

ولدى وصول السوريين إلى البرازيل فإن أول من يتصلون به هو المسعراني الذي قال للجزيرة "إننا نستقبل لاجئين يصطحبون أطفالهم وهم يعانون بشدة مما شاهدوا وسمعوا في سوريا ومن بين هؤلاء طفل عمره سنتان جاء مع والديه، ولكنهم يسارعون إلى البكاء والاختفاء تحت الطاولة بمجرد سماع انفجار أو بالون معتقدين أن ذلك إطلاق نار". 

وأضاف "لقد شاهدت صورا لأطفال لقوا حتفهم، فما الذي فعلوه حتى يواجهوا هذا المصير؟ وهل عليهم أن يدفعوا حياتهم ثمنا لمعارضة أبيهم لاستمرار الأسد في الحكم ؟ فالأسد يقتل شعبه، إنه أسوأ ديكتاتور على الإطلاق". 

عامر المسعراني هو أول من يتصل به السوريون الواصلون للبرازيل 

لجوء ومعارضة
وفي إحدى الأمسيات القريبة كان هناك ستة مهاجرين سوريين في منزل المسعراني من بينهم واحد يدعى جهاد محمد فر بعد اعتقال أفراد أسرته وتعذيبهم على يد قوات الأمن السورية التابعة للأسد. وقال محمد "لا يمكنني العودة ولا يمكن لأفراد أسرتي المغادرة كذلك". 

وفي ضاحية أخرى من البرازيل هناك شاب اسمه أحمد يرفض ذكر المزيد عن تفاصيل اسمه خشية تعرض عائلته للانتقام وقد خدم في الجيش السوري مدة عامين ونصف وعاش في سان باولو لمدة عام ويخشى العودة إلى وطنه لأنه ما زال في عداد الاحتياط للجيش السوري. 

وقال أحمد إنه من المؤكد -إذا عاد- أنه سيستدعى للقتال مع الجيش السوري النظامي، وهو أمر لا يمكنه القيام به لأنه معارض للنظام. وهو يشعر بالقلق حول مصير والدته وباقي أفراد أسرته الذين يخشون المغادرة خشية حدوث شيء ما لمنزلهم خلال غيابهم وبذلك يخسرون كل شيء. وقال "لا يمكنني العودة ولا يمكنهم القدوم والمغادرة فالأمور كلها في غاية التعقيد". 

وفقا للكاتب السوري تمام دعبول فإن الاختلاف والانقسام بين أفراد الجالية السورية في البرازيل يعود لاختلاف الأجيال وانقساماتها حيث يقول "إن المجموعة التي تدعم نظام الأسد دافعها لذلك الخشية من تحول سوريا إلى دولة إسلامية يمكن أن تمس بمصالح المسيحيين ومعظم هؤلاء هم من المهاجرين القدامى إلى البرازيل". 

ويستطرد دعبول في القول "تأتي المعارضة للأسد من بين المهاجرين الجدد والذين هم أدرى بالوضع الاجتماعي والسياسي الحالي في بلدهم، وممن لا يؤمنون بمسألة العنف الطائفي، ويشترك الطرفان في أمرين هما الحب الحقيقي لموطنهم وشعورهم بالإحباط وهم يرون ذلك الوطن ينزلق نحو مزيد من العنف". 

ويضيف دعبول "يصلي الجميع من أجل وضع نهاية لهذا الوضع سريعا"، لكنه وبعد تنهد عميق يقول "أعتقد شخصيا أن هذا الحال سيطول كثيرا".

المصدر : الجزيرة