أردوغان وعد ببحث عدوان إسرائيل على غزة والعمل على وقفه  (الجزيرة نت)

حاوره في أنقرة: فهمي هويدي

قال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إن العدوان الإسرائيلي على غزة فرض نفسه على جدول أعمال زيارته للقاهرة المقررة اليوم، لاسيما أن هدف الزيارة هو فتح صفحة جديدة من التعاون الإستراتيجي الواسع النطاق بين البلدين الكبيرين في المنطقة..، وشدد في هذا الصدد على أمرين، أولهما أن تركيا تريد للثورة المصرية أن تنجح ولمصر أن تنهض لكي تستعيد عافيتها ودورها، لأن تعاون البلدين هو مفتاح النهوض والاستقرار في الشرق الأوسط.

الأمر الثاني أن تركيا تتطلع إلى تعاون وثيق ليس مع السلطة السياسية في مصر فقط، ولكن أيضا مع مختلف القوى والفعاليات السياسية، وليس صحيحا ما يشاع من أنها معنية بالتفاعل مع فصيل دون آخر.

كان اللقاء في مكتبه بمقر حزب العدالة والتنمية في أنقرة، في ختام يوم حافل بالاجتماعات واللقاءات، ترك أثره عليه من خلال حالة الإنهاك التي أصابته.

كنت أعرف مساعديه الذين التفوا حوله، لكنه قدم لي فتاة نحيفة محجبة قائلا إنها سمية أردوغان، نظرت إليه فقال إنها ابنته التي انضمت إلى مستشاريه (علمت لاحقا أن عمرها 29 سنة، وأنها درست العلوم السياسية في الولايات المتحدة، والاقتصاد في إنجلترا، وتعلمت العربية في الأردن).

كان الجو غائما وباردا في أنقرة، إلا أن أصوات المتظاهرين الغاضبين الذين خرجوا إلى شوارع إسطنبول احتجاجا على العدوان الإسرائيلي على غزة كانت مسموعة بقوة في مقر الحكومة والحزب.

أثناء اللقاء كان سفر توران مستشار أردوغان للشؤون العربية قد انتحى بمقعده جانبيا ووضع جهاز "آي باد" على ساقيه. ومن خلاله كان ينقل إلى مسامع الرئيس أخبار غزة أولا بأول.

لاحظت أن أردوغان كانت أذنه في غزة والأذن الثانية تستمع إليّ. كنت قد أرسلت مسبقا إلى سكرتيره الصحفي قائمة بعناوين خمسة موضوعات أردت أن أحدثه فيها. الآن أستحي أن أقول إن العنوان الفلسطيني لم يكن أولها وإن كان واحدا منها.

أغلب الظن لأن أحداث المنطقة العربية وضعت الربيع العربي في المقدمة، وصار العنوان الفلسطيني تلقائيا عنوانا ثانيا أو ثالثا (البعض انتهز الفرصة وشطب عليه). شكرا لنتنياهو الذي ذكرنا بأن فلسطين يجب أن تظل عنوانا أول.

رفض عودة العلاقة مع إسرائيل
  ما رأيك فيما يحدث في غزة؟

نتابع ما يجرى ولا نستطيع أن نسكت عليه. فإسرائيل مصرة على ممارسة إرهابها بحق الفلسطينيين، غير مبالية بما يجرى في العالم وما تقضى به القوانين والأعراف الدولية. وقد اعتادت أن تتلقى الانتقادات والإدانات وقرارات المنظمات الدولية، ثم تدير ظهرها لها وتمضي في مخططاتها، رافضة أي حل سلمي وعادل. ما نملكه الآن هو أن نجري الاتصالات والمشاورات لمحاولة إيقاف ذلك العبث. فالخارجية التركية تتابع وتحلل المعلومات، ومن جانبي سأقوم بالاتصال مع الأمين العام للأمم المتحدة، وسكرتير حلف الناتو، والأمين العام للجامعة العربية. وسأحاول الاتصال مع الرئيس باراك أوباما. ومن الطبيعي أن أجري اتصالا مع بعض القادة العرب في مقدمتهم الرئيس المصري محمد مرسي (تم الاتصال مساء يوم الخميس). وسيكون الموضوع محل تشاور عند زيارتي للقاهرة.
هل لديك أفكار محددة، كأن تطرح فكرة الذهاب إلى غزة للتضامن معها أثناء زيارة القاهرة؟

الموضوع ليس مدرجا ضمن جدول أعمال هذه الزيارة، نظرا لضيق الوقت، فضلا عن أنه يحتاج إلى تشاور وتنسيق مع القيادة المصرية، وفي اللحظة الراهنة فإنه من المبكر اتخاذ قرار فيما يتعين عمله بعد الذي جرى (كان اللقاء مساء يوم الأربعاء، بعد ساعات من بدء العدوان على غزة).
 إذا ظل رد الفعل مقصورا على الشجب والإدانة فإن إسرائيل لن تكترث به، أليس كذلك؟

هذا صحيح. لذلك يتعين التفكير في إجراء أكثر فاعلية. ومن جانبنا فقد قطعنا العلاقات مع إسرائيل احتجاجا على سياستها وعلى عدوانها على السفينة التركية مرمرة في المياه الدولية، وقتلها تسعة من ركاب السفينة الإغاثية التي كانت متجهة إلى غزة، وما زلنا نرفض الوساطات التي تدعونا إلى استئناف العلاقات، ما دامت إسرائيل لم تستجب لمطالبنا بخصوص الاعتداء على السفينة التركية.

أضاف إلى ذلك أن إسرائيل تخسر الكثير بسبب سياسة العدوان والتعالي التي تتبعها. فقد خسرت بلدا صديقا مثل تركيا. والتأييد الدولي لها يتراجع. ثم إنها غير منتبهة إلى إمكانية تعرض اليهود خارجها لردود أفعال سلبية، من جراء استمرارها في سياساتها الوحشية بحق الفلسطينيين، وهي غير مدركة لحقيقة أن التأييد الأميركي لها لن يستمر إلى الأبد. وتبريراتها الساذجة والمضحكة لما تمارسه من عدوان وإرهاب لن تنطلي على الضمير الإنساني طول الوقت. ذلك أن الإنسانية ستضع حدا لذلك يوما ما، كما أن الظلم لا يمكن أن يستمر.

نظر أردوغان إلى مستشاره للشؤون العربية سفر توران الذي زوده بآخر أرقام القتلى والجرحى. وعدد الطائرات المغيرة على القطاع (علمت لاحقا أنه ظل يتابع الموقف أثناء عودته بالسيارة إلى بيته في إحدى بنايات أنقرة، وكانت ابنته سمية تتلقى الأخبار وتنقلها إليه أولا بأول). وحين التفت إليّ قلت إن ثمة قائمة طويلة من الأسئلة الأخرى تتعلق بزيارته لمصر، والملف السوري، والربيع العربي، والأوضاع في تركيا.

نظر إليّ بعينيه المجهدتين وهز رأسه موافقا، فعرضت عليه أسئلتي عن مصر. 

زيارة للتحالف الإستراتيجي مع مصر

 قمتم بزيارة مصر في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، فما الهدف من هذه الزيارة الثانية؟ وما المتوقع من التعاون بين البلدين؟ وهل يفهم من التقارب التركي المصري أن هناك اتجاها لإقامة محور سني في مواجهة إيران التي تقود ما تصفه الصحف الأميركية بالمحور الشيعي (الذي يضم إلى جانبها سوريا وحزب الله والعراق)؟ وسألته أيضا عن دعوته إلى العلمانية التي تحدث عنها في زيارته السابقة لمصر، وأثارت لغطا كبيرا آنذاك؟

من الناحية الإستراتيجية فإن التعاون بين البلدين لا غنى عنه للنهوض بالشرق الأوسط واستقراره، وهذا تقدير مستقر لدينا منذ زمن ليس قصيرا. وحين قامت ثورة 25 يناير فإننا وجدنا أن الطريق بات مفتوحا. وأن مصر أصبحت جاهزة للقيام بذلك الدور، وعلينا أن نمد إليها يد العون لكي تتعافى وتستعيد ما فقدته خلال الفترة الماضية، ليس لأجل مصر ولا العالم العربي فحسب، ولكن من أجل مستقبل الشرق الأوسط كله. وكان -ولا يزال- قرارنا الإستراتيجي هو ضرورة أن تنجح مصر الثورة. وهو ما سعينا إليه طوال العشرين شهرا الماضية، حيث كنا حاضرين في ساحتها قدر الإمكان. وعبرنا عن رغبتنا في توسيع نطاق التعاون معها بغير حدود.

إن الكلام عن محور سني ضد الشيعي ليس واردا ولا محل له، علما بأن تركيا ضد أي تحالفات على أسس دينية أو مذهبية أو عرقية. وهي دائما مع التعاون من منظور نهضوي وإنساني.

هناك من يتصور أو يسعى للربط بين المساعي التركية وبين تركيبة الوضع الداخلي في مصر، بحيث يحصر تلك الجهود في قوى بذاتها دون أخرى. وذلك انطباع مغلوط يتعارض مع رؤيتنا الإستراتيجية. فنحن مع مصر الدولة والمجتمع بالدرجة الأولى. ونريد للنجاح الذي نبتغيه أن يكون لصالح البلد كله كما هو لصالح المنطقة بأسرها. ولأننا مع الثورة التي سعت لإقامة النظام الديمقراطي في مصر، فأيدينا ممدودة لكل من تأتي به الديمقراطية إلى السلطة.

إن الهدف من هذه الزيارة هو الانطلاق في العمل مع النظام الجديد من خلال تفاهم حول شراكة إستراتيجية بين البلدين، يديرها مجلس وزاري يضم 12 وزيرا من كل بلد تحت قيادة رئيسيْ الوزراء. وهذا المجلس الوزاري يضم الوزراء الذين يمثلون أهم القطاعات التي سيتم التعاون بين البلدين فيها. وهي بالدرجة الأولى قطاعات الاقتصاد والصناعة والسياحة والدفاع. وهذا الموضوع ظل محل تشاور بين البلدين طوال الأشهر الماضية. لذلك فإن المجلس سوف يشكل أثناء الزيارة، وسيعقد أول اجتماع له على الفور، والدراسات والمشاورات السابقة أعدت الاتفاقات التي سيتم توقيعها بين البلدين. وستتحدد في ضوئها مسؤولية كل وزارة، وسيتابع المجلس الوزاري خطوات التنفيذ أولا بأول.

التعاون في المجالات الاقتصادية والإنتاجية مفهوم. وثمة علاقات إيجابية بين رجال الأعمال المصريين والأتراك. وفيما يتعلق بالسياحة فإن تنشيطها حقق تقدما خلال الأشهر الأخيرة، خصوصا بعدما نظمت الخطوط الجوية التركية رحلات مباشرة إلى المدن الساحلية على البحر الأحمر. أما في مجال الدفاع، فالمفهوم أن ثمة تعاونا عسكريا بين البلدين، لكننا بصدد تنشيط الصناعات العسكرية الدفاعية. إضافة إلى ما هو متوافر في مصر من تلك الصناعات، فإن لدى تركيا صناعات مماثلة متقدمة، بمقتضاها استطعنا إنتاج وتصنيع العربات المدرعة والطائرات بلا طيار، إضافة إلى المروحيات والسفن الحربية. وإذا ما تحقق ذلك التعاون فبوسع البلدين أن يدخلا إلى مجال تصدير السلاح.

وبالنسبة للعلمانية، فإن الرئيس بشار الأسد قال -في حديث أخير له- إن سوريا أصبحت الدولة العلمانية الوحيدة في العالم العربي، الأمر الذي يضعنا أمام نموذجين للعلمانية: واحد استبدادي وقمعي كما في سوريا، والثاني ديمقراطي ومتسامح كما في تركيا، وهو ما يستدعي التساؤل عن أيهما العلمانية الحقيقية. قلت أيضا إن تركيا ذاتها كانت في السابق تحكم بنظام علماني مستبد ونافر من الدين، لكن حزب العدالة والتنمية نقله إلى نظام علماني ديمقراطي متصالح مع الدين، الأمر الذي يستدعي نفس السؤال؟

إن العلمانية كما يفهمها حزبنا ترتكز على قاعدتين، هما الديمقراطية، والحياد إزاء كل الأديان. وأضاف أن هناك تطبيقات مختلفة للعلمانية حتى في العالم الغربي، فهي في إنجلترا وأميركا غيرها في فرنسا وألمانيا، خصوصا في موقفهما من الأديان.

المُحاور: استغرقت مناقشة هذه النقطة بعض الوقت، وقد وافقني أردوغان في نهايتها على أن العلمانية ليست شيئا واحدا، ولكنها في النموذج التركي الراهن تنحاز إلى القاعدتين السابقتين، ولا بأس من تسميتها علمانية تركية تمييزا لها عن غيرها. 

حدود حلف الناتو مع سوريا

طرحت على أردوغان عدة أسئلة حول سوريا فأجاب كما يلي:

إن نظام دمشق لم يستجب إلى النصائح التركية بخصوص الاستجابة لمطالب الشعب، حتى وصل الأمر إلى ما وصل إليه الآن. وبعد تدهور الموقف، فإن دمشق ما برحت تتحرش بتركيا عن طريق قصف بعض المناطق القريبة من الحدود، الأمر الذي أوقع قتلى وجرحى بين المواطنين. وتحاول تركيا في الوقت الراهن أن تتعامل مع هذه التحرشات بأقصى درجات ضبط النفس، لكن صبرها له حدود.

أتمنى وأسعى جاهدا لئلا يصل الأمر إلى حد المواجهة العسكرية مع النظام السوري، وأرجو ألا يحاول النظام هناك أن يختبر القدرة العسكرية التركية. وأذكر قيادته بأن الأمر من هذه الزاوية أخطر وأعقد مما يظنون، لأن حدود تركيا التي يتحرشون بها هي حدود حلف الأطلنطي أيضا.

إن ما بين الأتراك والسوريين ليس علاقة جوار فقط، لكنها علاقات قرابة ونسب ومصاهرات أيضا. فالأكراد والعلويون والتركمان يعيشون على الجانبين. وللأسف فإن النظام السوري يحاول أن يعبث بهذه العلاقات ويوظفها لصالحه. وقد رصدت الأجهزة الأمنية التركية اتصالات سورية مع عناصر من حزب العمال الكردستاني لمحاولة تصدير التوتر إلى تركيا، ولكن هذه الاتصالات تمت مع عناصر محدودة للغاية وغير مؤثرة، فضلا عن أنها لا تزال تحت السيطرة من قبل تلك الأجهزة.

والجهد الذي بذل مع بعض العناصر الكردية تم أيضا مع عدد من العلويين في المنطقة الحدودية، لكن ذلك كله ليست له علاقة بالمحيط العام للطائفتين. ومن ثم فالكلام عن نقل التوتر الطائفي إلى داخل تركيا أبعد ما يكون عن الصحة، وهو من خيالات المروجين له وليست له صلة بالواقع.

هناك مبالغات كثيرة في تصوير خرائط المنطقة في حالة سقوط النظام السوري. ولذلك فمثل تلك الأقاويل ينبغي أن يتم التعامل معها بحذر. ومن وجهة النظر التركية فإنه حتى الحديث عن الانفصال (العلوي أو الكردي) ومن ثم تمزق الدولة السورية مستبعد إلى حد كبير. وفى كل الأحوال فإننا سنترك المستقبل لقرار الشعب السوري، علما بأن تركيا ستحافظ على وحدة التراب السوري. لأن استقرار جيرانها جزء من الدفع عن أمنها القومي.

صحيح أن الموضوع السوري حمل تركيا بعض الأعباء الاقتصادية فضلا عن الإنسانية، إلا أننا في مساندة انتفاضة الشعب السوري انطلقنا من موقف مبدئي شديد الحرص على احترام إرادة السوريين، وفي هذه الحالة لا بد أن يكون هناك ثمن للالتزام المبدئي والأخلاقي. وكان علينا بدورنا أن ندفع ذلك الثمن الذي تحملناه من جراء نزوح 115 آلاف لاجئ سوري إلى بلادنا. غير أن أكثر من 60 ألفا آخرين انتقلوا للإقامة في أنحاء تركيا.

إن الأزمة السورية ألقت بظلالها بدرجات متفاوتة على علاقات تركيا بكل من العراق وإيران وروسيا. لكن التأثير يظل محدودا، الأمر الذي سمح لأنقرة بأن تحتفظ بحد من العلاقات الطيبة مع موسكو وطهران، وإن ظلت علاقاتها مع حكومة شمال العراق أفضل من علاقاتها بحكومة بغداد. 


ضد العثمانية الجديدة
في الرد على أسئلة العالم العربي وربيعه، أجاب رئيس الوزراء التركي بما يلي:

العالم العربي جزء من المحيط الإستراتيجي لتركيا، وسكانه أهلنا الذين تربطنا بهم وشائج قوية وعميقة، لا يمكن أن تنقطع، ولا يمكن أن تضعف.

الربيع العربي يشكل منعطفا مهما في تاريخ المنطقة، يعيد إليها الحيوية، ويفتح أبواب الأمل للنهوض بدولها. ذلك أن إقامة الديمقراطية في الدول العربية هي بداية الطريق لانطلاقها نحو المستقبل الأفضل.

وأيا كانت العثرات التي تواجه بعض دول الربيع العربي فإنها تظل من قبيل الهزات والتوترات التي تمر بها الأوطان في فترات الانتقال. ولأن تركيا عاشت زمنا طويلا في ظل أوضاع قلقة وغير مستقرة، فإننا نعتبر ما يحدث في العالم العربي أفضل بكثير مما مررنا به في تركيا التي انتقلت إلى الحكم الديمقراطي بعد أن دفعت أثمانا باهظة لقاء ذلك. لذلك لا ينبغي أن تكون القلاقل الحاصلة في بعض الأفكار سببا للقنوط أو اليأس. لأنها أعراض طبيعية تسبق تحقيق الاستقرار المنشود.

لا أحب مصطلح العثمانية الجديدة الذي صار من التاريخ المنقضي، ويساء فهمه وتأويله، ويستخدم استخدامات سلبية تضر بعلاقاتنا مع إخوتنا العرب. فنحن نتعامل مع العالم العربي باعتبارنا أشقاء وأندادا، وليس من منطلق تاريخي بأي معيار. وهدفنا ليس فقط أن نتعاون مع أشقائنا، ولكننا نريد أن نحقق المصالح المتبادلة لشعوبنا جميعها.

ليس دقيقا القول بأن الربيع العربي أضر بمصالح تركيا وعلاقاتها. وحتى إذا كانت هناك بعض الأضرار الاقتصادية التي حدثت خصوصا بعد الأزمة السورية، فإن ذلك لا يقارن بالمكسب الهائل الذي تحقق بفضل يقظة الشعوب العربية وانحيازها إلى الحرية والديمقراطية.

للأسف فإن الجامعة العربية لم تستطع أن تقوم بدور فاعل في حل الأزمة السورية، وهو الحاصل أيضا بالنسبة لمجلس الأمن والمجتمع الدولي، لكننا لا نزال نراهن على وعي الشعوب العربية التي تضامنت مع محنة السوريين، كما أن قضيتنا كبيرة في قوة وصلابة ونضال الشعب السوري. 

الجيش خرج من السياسة
 تعددت وتشعبت الأسئلة المتعلقة بالوضع التركي. وتراوحت بين ما هو خاص بمستقبله ودوره السياسي، وبين تطورات الأوضاع الداخلية. وفي رده على الأسئلة ذكر أردوغان ما يلي:

إنه لم يقرر بالضبط ما الذى سيفعله بعد انتهاء رئاسته الثانية للحزب التي لا تسمح له بالتجديد، الأمر الذى سيضطره إلى عدم الترشح مجددا لرئاسة الحكومة. رغم أن مسألة ترشحه لرئاسة الجمهورية مطروحة بقوة في الشارع السياسي (البعض يشبه تبادل الأدوار مع الرئيس الحالي عبدالله غول بما حدث في روسيا، حيث تبادل بوتين الدور مع الرئيس السابق مدفيدف)، إلا أنه ذكر في هذه المسألة نقطتين، الأولى أن ذلك قرار الحزب وليس قراره وحده، والثانية أنه لا يزال هناك 20 شهرا متبقية لطرح هذا الموضوع، وليس هناك مبرر للاستباق وإشغال الناس به الآن.

إنه ليس متفائلا بإمكانية النجاح في إقرار النظام الرئاسي في الدستور الجديد، بسبب معارضة الأحزاب الأخرى المشتركة في لجنة إعداده. ومن جانبه فإنه مقتنع تماما بأهمية تغيير النظام، لأن تركيا عانت كثيرا من جراء التزامها بالنظام البرلماني، ولذلك فإنه سيبذل غاية جهده -ومعه حزب العدالة والتنمية- للدفاع عن فكرة التحول عنه إما إلى نظام رئاسي، أو نصف رئاسي كما هو الحاصل في فرنسا. وسيقبل بأي صيغة أخرى مغايرة للنظام البرلماني.

الأكراد في تركيا تتحسن أوضاعهم بصورة مطردة، ووضعهم في الوقت الراهن لا يكاد يقارن بنظيره في الماضي. وقد نجح حزب العدالة والتنمية في إزالة التشوهات التي لحقت بوضعهم في ظل الأنظمة السابقة. وأحدث قرار في ذلك الاتجاه اتخذ في الأسبوع الماضي، حين وافق البرلمان بالأغلبية على السماح لهم بالشهادة بلغتهم أمام القضاء، الأمر الذي يعزز الاعتراف بخصوصيتهم وهويتهم أمام مؤسسات الدولة.

لم يعد للجيش أي دور سياسي بخلاف الوضع الذي كان معمولا به في الماضي. وبعد انصرافه إلى مهامه الوطنية الأصلية وبعدما خرج من السياسة، فإنه أصبح يعيش في أفضل حالة ديمقراطية مرت بها البلاد.

موضوع الدولة العميقة التي عانت منها تركيا كثيرا في الماضي ضعف إلى حد كبير، حتى إنه يمكن القول إن أصابع الدولة العميقة في السياسة قد بترت ولم يعد لها وجود يذكر.

ورغم أنه يتعذر القول بأنه تم القضاء تماما على تلك الدولة -بمعنى شبكة المصالح القوية التي كانت تعمل في الخفاء خارج الدولة وتؤثر على الحياة العامة والقرار السياسي- فإنه يمكن القول بأنه إضافة إلى انعدام دورها في المجال السياسي، فإن وضعها الآن بين أيدى القضاء الذي لم يتوقف عن تتبع آثارها وامتداداتها في مختلف القطاعات المدنية والعسكرية. ومن ثم فبوسعنا الآن أن نقول باطمئنان إن تركيا تعيش الآن في ظل دولة سيادة القانون وليس في ظل الدولة العميقة.

المصدر : الجزيرة