مستثمرون ظلوا يستغلون ثغرات بقانون مقالع الرمال طيلة عقود لمراكمة ثروات هائلة دون أية مراقبة (الجزيرة)
عمر العمري-المغرب

في سابقة هي الأولى من نوعها، نشرت وزارة التجهيز والنقل في المغرب مؤخرا لوائح تتضمن أشخاصا ذاتيين ومعنويين يستغلون 1885 مقلعا للرمال، وهو الإجراء  الثاني الذي أقدمت عليه الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية الإسلامي، في إطار مكافحة الفساد، بعدما نشرت في وقت سابق قوائم أخرى لمستغلي رخص النقل.

وكشفت هذه اللوائح أن عملية استغلال المقالع تمتد من شمال المغرب إلى جنوبه بما في ذلك شواطئ الصحراء، حيث تقوم بعض الشخصيات المعروفة بانتمائها القبلي في الجنوب بالهيمنة على استغلال مساحات شاسعة من كثبان الرمال وتصدر بعضا منها إلى الخارج.

وذكرت هذه القوائم بعض الأسماء المنتمية إلى أحزاب سياسية وشركات معروفة تشتغل في ورش كبرى للبناء، إلا أنها ركزت على أسماء عديدة غير معروفة لدى الرأي العام تهيمن لوحدها على هذا المجال طيلة عقود من الزمن.

والمثير في هذه المعطيات أن بعض مستغلي مقالع الرمال يعملون بدون رخص قانونية أو برخص انتهت صلاحيتها منذ مدة طويلة، كما أن الكثير منهم يستغلون هذه الثروة الطبيعية فوق القدر المسموح به قانونا، الذي ينبغي ألا يتجاوز 150 ألف متر مكعب سنويا.

محمد المسكاوي: لوائح مستغلي مقالع الرمال جاءت مبتورة وغير كافية (الجزيرة نت)

ردود أولية
ويأتي نشر هذه القوائم، التي من المنتظر أن تثير كثيرا من الردود، استجابة للمطالب التي رفعها الشارع المغربي إبان الثورات العربية الأخيرة والتي دعت السلطات المغربية إلى التحرك العاجل لمعاقبة ناهبي المال العام ومحاربة كل أشكال الفساد.

غير أن رئيس الشبكة المغربية لحماية المال العام محمد المسكاوي قال في حديثه للجزيرة نت إن اللوائح التي نشرتها وزارة النقل والتجهيز جاءت "مبتورة وغير كافية وربما تمت معالجتها قبل إخراجها للعموم"، خوفا من الإخلال بالتوافقات السياسية القائمة.

وانتقد المسكاوي الحكومة الحالية لأنها لم تكن لها الشجاعة الكافية لذكر أسماء كل الشخصيات السياسية والعسكرية والمدنية التي تقتات من اقتصاد الريع، ولم تتخذ لحد الساعة الإجراءات الواجب اتخاذها للضرب على أيدي ناهبي المال العام والمتملصين من الضرائب.

ودعا الناشط في مجال حماية المال العام رئيس الحكومة إلى ضرورة اتخاذ قرار فوري بسحب الرخص التي لا تتوفر على الشروط القانونية لاستغلال مقالع الرمال واسترجاع الأموال التي تم تجميعها بطرق غير قانونية إلى خزينة الدولة، والتي قدرها بستة مليارات درهم سنويا (حوالي 700 مليون دولار).

وتم تحميل هذه اللوائح بشكل مثير على صفحات المواقع الإلكترونية، ولقيت ترحيبا من بعض روادها، إلا أن جانبا منهم وصف تلك اللوائح بأنها "عبارة عن أرقام وألغاز وأسماء شركات مجهولة، ولم تكشف عن أسماء المستفيدين الفعليين من تلك المقالع".

الحكومة المغربية بصدد وضع اللمسات الأخيرة للإعلان عن مشروع جديد لتنظيم مسألة الاستثمار في مقالع الرمال والأحجار

مجرد بداية
وبالرغم من الانتقادات التي وجهت إلى الحكومة بخصوص كشفها لهذه المعطيات، فإنها على الأقل تعتبر المرة الأولى التي يتعرف فيها المغاربة بشكل رسمي على أسماء حقيقية وغير وهمية تستغل ثرواتهم الطبيعية.

وتعتبر الحكومة أن هذه المبادرة ما هي إلا البداية في مسلسل طويل لمحاربة الفساد، وهي الآن بصدد وضع اللمسات الأخيرة للإعلان عن مشروع جديد لتنظيم مسألة الاستثمار في مقالع الرمال والأحجار.

ويهدف هذا المشروع، الذي ينتظر أن يحال على البرلمان في وقت لاحق من أجل المصادقة عليه، إلى إحداث آليات جديدة للمراقبة، وإنشاء دفتر اشتراطات يحدد الشروط القانونية والبيئية لتسليم الرخص للمستثمرين، وتحديد عقوبات زجرية للمخالفين للقوانين.

وما زال استغلال الرمال في المغرب يتم وفق قانون قديم صدر سنة 1914 إبان الاستعمار الفرنسي للمغرب، واستطاع المستثمرون في هذا القطاع أن يستغلوا ثغراته طيلة عقود لمراكمة ثروات هائلة دون أية مراقبة أو محاسبة.

ويقول المسكاوي إن رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران تنتظره مهمة أخرى في المستقبل وهي فضح محترفي الصيد في أعالي البحار، غير أن بنكيران ربما سينتظر أن تهمد "حرب الرمال" هذه ليعلن في المرة القادمة الحرب على "بواخر الصيد".

المصدر : الجزيرة