طارق الهاشمي: أنا في مرحلة مراجعات واسعة لمرحلة سياسية فاشلة
 

 

حاوره في جدة: ياسر باعامر

صنفته الدوائر الدبلوماسية الأميركية بأنه "الرجل السياسي العنيد" في التفاوض مع العراقيين، ويقول عن نفسه "لا أخوض معركتي فقط.. بل أخوض معركتنا جميعاً في بغداد العروبة".

رسائل سياسية مباشرة عديدة أرسلها نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي في حواره مع الجزيرة نت من مدينة جدة السعودية تحت لافتة "من يهمه الأمر"، مشددا على ضرورة التحرك العربي لصناعة مشروع ينقذ العراق من أخطر "مأزق" يتعرض له طوال تاريخه السياسي.

الهاشمي -الذي أكد أن حكم الإعدام الغيابي الذي أصدره رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي باسم القضاء العراقي "ابتزاز سياسي"- لم يخف بين حدة نظراته وكلامه المبطن "إحباطاً" من الموقف العربي الذي قال عنه "لو يعلم نوري المالكي أدنى معرفة أن العرب سيقفون معي لم يفعل فعلته الحمقاء"، متوقعاً ربيعاً عراقياً "قريباً" لأن الأجواء مهيأة لذلك، وفيما يلي نص الحوار:

 بعد إصدار القضاء العراقي حكماً غيابياً بحقكم بالإعدام، هل وجدتم تحركاً عربياً فاعلاً في وجه السلطات العراقية؟

بصراحة تامة سمعت وعوداً وحديثاً طيباً، لكني للأسف لم أجد دعماً عربياً فاعلاً حتى الآن.

أشعر حقيقة بأن الهاشمي تُرك ليواجه قدره وحده، والعالم أجمع يعرف جيداً لماذا دفع الهاشمي هذا الثمن. باختصار لأني رجل عروبي ومخلص لبلدي، ولذلك لا مكان لي في العملية السياسية.

هناك حقيقة أخرى يجب أن تُوضح للرأي العام، وهي أنه لو كان لنوري المالكي أدنى معرفة بأن الهاشمي سيجد دعماً عربياً فيما لو تعرض إلى أذى لما تجرأ أن يرتكب هذه الحماقة. لكنه يعلم أن الهاشمي لن يقف معه أحد. ثم أتساءل: هل يستطيع المالكي أن ينفذ اليوم أوامر ضبط عسكرية بحق "الزعامات الشيعية" رغم صدور تلك الأوامر؟ أقول لا يستطيع أن يفعل ذلك، لأن طهران ستقف له بالمرصاد.

 مجلة فورين بوليسي الأميركية الأولى ذكرت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي أن "واشنطن سلمت العراق لإيران على طبق من ذهب"، كيف تنظرون لهذا الطرح؟

بصراحة لو كنت أملك دليلاً ووثائق لقدمتها للصحافة فوراً، لكن مع ذلك لدي كل المؤشرات من خلال وجودي في العملية السياسية منذ 2004، مما يؤكد أن هناك "اتفاقاً ضمنياً" بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في توسيع نفوذ الأخيرة بالعراق. وما أقرأه سياسياً أن ذلك "النفوذ" جرى برعاية ومباركة أميركية.

 ما هي رؤيتكم السياسية لتخفيف "الهيمنة الإيرانية" في العراق؟ 

الهاشمي:
بإمكان الدول العربية والخليجية أن تقدم يد العون والمساعدة في مجالات الإغاثة والمصالحة الوطنية وضبط الحدود ومساعدتنا في التخلص من براثن الوجود الإيراني

العراق يمر بمنعطف خطير، وشتى الاحتمالات المتعلقة بمستقبله أصبحت واردة، والذي تحقق خلال سنوات "الهيمنة الإيرانية" على مفاصل الدولة العراقية وإشاعة التمييز الطائفي والظلم والفساد الكبيرين يجعل مهمة الإصلاح ليست سهلة على الإطلاق، لذا العقبة الأساسية أمام المشروع السياسي الإصلاحي يرتكز على شخصية سياسية غير رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي، لأنه أصبح مكونا رئيسيا من المشكلة وليس الحل.

إذن وجود هذا الرجل في هذا المنصب الحساس يعوق طريق الإصلاح السياسي بالعراق، وبعد ذلك نحن بحاجة لسنوات من العمل المضني والجاد لتفعيل ذلك الإصلاح، مع الاتفاق على "عقد وطني" يمثل شراكة حقيقية يضع جميع العراقيين أمام رؤية وطنية دون تمييز طائفي أو محاباة لطرف دون آخر.

نحن بحاجة إلى تغيير حقيقي بمن يحكم، وبحاجة إلى رزنامة من الإصلاحات في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي علاقتنا مع دول الجوار العربي، ومعالجة مسألة العنف، ومكافحة الفساد، والتعصب الطائفي.

 الوصول إلى مشروع "الإصلاح الشامل" للعراق يحتاج إلى دعم إقليمي، هل هناك تفاهمات أجريتموها مع "الأتراك والخليجيين" بشأن دعكم؟

الإجابة على هذا السؤال تمر عبر تقسيمه لجزءين، الجزء الأول، أنا كمواطن عراقي ثم كنائب لرئيس الجمهورية لا أنتظر الدعم من الخارج، فأمر الإصلاح ينبغي أن يتولاه العراقيون بأنفسهم.

الجزء الثاني هو أن دول الجوار تعي هذه المسألة وتدرك حدود مسؤولياتها في دعم الشعب العراقي، ولكن عندما أقول إن مهمة العراقيين ليست سهلة وبأمس الحاجة إلى دعم إخوانهم العرب والمسلمين، فلأن التحديات التي تواجهنا في الداخل "كبيرة" وتتجاوز إمكانياتنا ولا يعني ذلك دعوة لتدخل الغير في شؤونا الداخلية.

 إذا لم يكن الدعم مباشراً كدعم إيران، فماذا يمكن أن يقدموا تحديداً؟

بإمكان الدول العربية والخليجية أن تقدم يد العون والمساعدة في مجالات الإغاثة والمصالحة الوطنية وضبط الحدود، ومساعدتنا في التخلص من براثن الوجود الإيراني، هذه القضايا تتعلق بالشأنين الإقليمي والدولي، وهذه تتجاوز إمكانياتنا، فالأميركان خلفوا عراقاً ضعيفاً، وفقيراً، وفاقداً للسيطرة، وهيمنة إيرانية على مفاصل دولتنا.

إذا لم نستطع توقيف آثار النفوذ الإيراني، فإن ذلك سينعكس سلبياً على المنطقة ككل ودول الخليج على وجه الخصوص.

هناك مسؤولية كبيرة على الدول العربية أن تعوض "الكسل" خلال فترة الاحتلال الأميركي للعراق، كانت هناك ذريعة عدم قدرتهم على التدخل بفعل الضغوط الأميركية عليهم، لكن اليوم الأمر مختلف تماماً، وأقولها بالفم الملآن نحتاج إليكم أيها العرب لمساعدة شعب العراق في أن يتجاوز هذه الظروف الصعبة.

 هل أوصلتم هذه الرسائل بوضوح للقيادات السياسية العربية والتركية؟

الهاشمي:
العراق وصل إلى مفترق طرق، ودول الجوار تعي ذلك جيداً وتشعر بخطورة المستقبل العراقي

نحن نتحاور مع الجميع بشأن ذلك، وبخاصة الأتراك الذين يبدون قلقاً كبيراً من حالة الانقسام المفزع في الحالة السياسية العراقية نتيجة الأخطاء الكارثية التي ارتكبها المالكي وقصر نظره والإدارة السيئة للعلاقات الثنائية بين بغداد ودول الجوار بالإضافة إلى فشله الذريع في معالجة الملف الأمني.

العراق وصل إلى مفترق طرق، ودول الجوار تعي ذلك جيداً وتشعر بخطورة المستقبل العراقي.

 لماذا مكثتم في تركيا بدلاً من إحدى الدول العربية؟

كنت أتمنى من الدول العربية أن تقوم ولا تقعد حتى يعود الهاشمي إلى وضعه السياسي الطبيعي، ليكمل مهمته في العراق، الحقيقة لم يتصل بي أحد ليعرض علي مساعدته لي.

 لماذا يتهم المالكي تركيا بتدخلها في شؤون العراق الداخلية؟

تركيا لم تتدخل في شؤون العراق الداخلية، هي قالت إنها تريد تقريب وجهات النظر بين الفرق والمكونات السياسية، والأتراك يعون تماماً "المأزق السياسي" الذي يمر به العراق، فالمالكي بسياسته الطائفية عطل حراك الدولة بشكل تام.

ثم إن تركيا ليس لها مصلحة في استمرار ذلك المأزق، وهي مع ذلك "شريك إستراتيجي" مع العراق من خلال 58 اتفاقية، ولديها الكثير لتقدمه لمساعدة الشعب العراقي، لكن السؤال المطروح: هل يلقى موقفها ذلك صدى طيبا لدى حكومة المالكي؟ الإجابة بالطبع هي لا.

 هل وجدتم مشروعا عربيا متكاملا يخرج العراق من أزمته؟

لا، لا، لا.

رغم "لاءاتكم الثلاث" هل تتصورون أن العرب قادرون على إخراج العراق من أزمته؟

نعم قادرون، إذا حمَوْا ظهورنا في السياسة والإعلام والدعم الإغاثي، وكان ذلك بشكل متكامل، حينها ستتغير كفة التوازن في العراق الحالي لصالح المشروع العربي.

 في 2005، قاتلتم لإلغاء مادة تقسيم العراق إلى فدراليات في الدستور، هل ما زلتم على رؤيتكم السابقة؟

نعم قاتلت من أجل إلغاء هذه المادة، لكن اليوم أنا مع تطبيقها، والذي دفعني لذلك ظلم المالكي وفساده، وليس أمامنا خيار آخر لإنقاذ بلدنا وشعبنا إلا الفدرالية للتخلص من سطوة القوات المسلحة في بغداد، وبالتالي لن تتعرض ميزانية الأقاليم للنهب كما تنهب اليوم من حكومة نوري المالكي.

 لماذا لم تؤسسوا مليشيات مسلحة سنية تحمي مشروعكم السياسي كما تفعل القوى العراقية الشيعية على سبيل المثال والقوى السياسية الأخرى؟

أنا رجل سلام، ولا يعني ذلك أن أي مشروع سياسي ليس بحاجة إلى غطاء قوة، نعم هو بحاجة إلى ذلك، لكن بدلاً من تفاقم الوضع الأمني في العراق بقوة عسكرية جديدة، لنعمل على تفكيك القوى غير النظامية الموجودة حالياً، لنوجد شخصا في القيادة العامة للقوات المسلحة "غير طائفي"، لنعمل على تفكيك المشاكل، لا صناعة مشاكل جديدة، هكذا أرى حل مشاكل العراق.

 ولكن نظريتكم جلبت لكم نقداً لاذعاً في الوسط السني.

أنت تعلم أن المقاومة كانت مقاومة عربية سنية، وكنت أحترم هذه الرؤية لكني لم أكن طرفاً فيها، وكنت أنبه إلى مؤشر مهم وهو أن الاحتلال الأميركي احتلال مؤقت، وكنت أقول إننا سنواجهه احتلالاً أكثر أذى وتغلغلاً من جانب إيران، وكنت أراقب هذه المسألة.

وقلت أخشى في نهاية المطاف أن الذي سيقطف كل هذه التضحيات الجمة هو "غيركم وليس أنتم"، وهذا ما حصل، لماذا لا ننتقد أنفسنا، ونعترف أن العمل الجهادي الذي وجه صوب الأميركان لم يتحسب للنفوذ الإيراني المتنامي الذي جرى بطريقة منهجية ومؤسسية منذ عام 2003، ولم تكن الأنظار حينها موجهة للاحتلال الإيراني.

 ما رأيكم في التحليل الذي يقول إن الخلل الكبير لحالة عدم التوزان في العراق يعود لانعدام "الدعم العسكري" للوسط السني من العرب؟

الهاشمي:
يوجد في العراق 40 قناة فضائية تمولها إيران، ناهيك عن الصحف والمجلات ومواقع إلكترونية ومؤسسات إغاثية، لا يوجد فريق سياسي شيعي إلا ولديه وسائله الإعلامية الكبيرة التي تعبر عن رؤاه بشكل واضح
عندما نقول دعما عسكريا يعني ذلك أننا نخطط إلى حرب أهلية، ونحن لسنا بحاجة إلى ذلك، باستطاعتي اليوم تشخيص الوضع العراقي والنفوذ الإيراني، ولكن لنحاول حل كل الأزمات من خلال العملية السياسية، الخلل الكبير الذي حصل في السنوات السابقة ليس فقط الدعم العسكري، لكن ماذا عن الدعم السياسي والإعلامي؟

اليوم يوجد في العراق 40 قناة فضائية تمولها إيران، ناهيك عن الصحف والمجلات ومواقع إلكترونية ومؤسسات إغاثية، لا يوجد فريق سياسي شيعي إلا ولديه وسائله الإعلامية الكبيرة التي تعبر عن رؤاه بشكل واضح.

هل يمكننا القول إن ما وصلتم إليه شخصياً في هذه المرحلة من الأداء السياسي نتيجة اجتهادات خاطئة طوال سنواتكم السابقة؟

ربما أنت على حق، اليوم أنا في مرحلة مراجعات واسعة لمرحلة سياسية فاشلة بالنسبة لي. لكني جئت إلى العمل السياسي "مكره أخاك لا بطل"، وحتى منصبي بالدولة أجبرت على تقلده، لكن الخيارات التي كانت مطروحة أمامنا صعبة للغاية، وكنت أتمنى أن تصل المآلات في بلدي إلى غير ما وصلت إليه. ولكن هناك حقيقة يجب أن يعرفها الجميع أنه "لم يقدم لنا الدعم السياسي من قبل أشقائنا العرب".

هل يمكن أن نشهد "ربيعاً عراقياً" في وقت قريب؟

الأجواء مهيأة حقيقة لحصول ذلك، مع وجود ملايين من المحبطين وانعدام تام للخدمات الحياتية الضرورية، ولكنهم يخشون إرهاب المالكي. اليوم أجد العراق قنبلة موقوتة، لذلك التغيير في سوريا سيكون ملهماً للعراقيين، وعلى هذا الأساس أحث التحالف الوطني الشيعي -والمالكي جزء منه- على سرعة إجراء تعديلاته السياسية ويختار شخصية جديدة غير طائفية كنوري المالكي للخروج من هذا المأزق الذي لم يشهده العراق طوال تاريخه.

فإذا لم يحصل التغير سياسيا، سيحصل بقوة المجتمع العراقي، لذلك المالكي يتحسب للمسألة السورية عبر دعمه اللامحدود لنظام الأسد.

هل تعتقدون أن صفقة الأسلحة التي تمت مؤخراً بين العراق وروسيا تمت بضوء أخضر أميركي لتغيير الموقف الروسي من الملف السوري؟

بكل تأكيد تغيير الموقف الروسي قد يتم بأموال عربية، والأمر الذي دعاني لتأكيد هذه الرؤية هو التحول الفجائي لحكومة المالكي من حصر مشتريات الأسلحة في الولايات المتحدة الأميركية إلى التحول شرقاً صوب موسكو، ولم تكن هذه الصفقة لتتم لولا مباركة واشنطن لها.

 هل تحدثتم بشكل رسمي "بحكم موقعكم" مع الأميركان بشأن الصفقة؟

لا، لم أجلس معهم بشكل رسمي، ولكن من خلال اتصالات غير مباشرة مع مسؤولين أميركيين في واشنطن، أوضحوا لي من خلف الأبواب المغلقة أن مباركة واشنطن هي الموقف الرسمي من هذه الصفقة.

المصدر : الجزيرة