أحداث السفارة الأميركية شكلت التحرك الأخطر لبعض المحسوبين على التيار السلفي (الفرنسية-أرشيف)
 
إيمان مهذب-تونس

في الوقت الذي بدأ فيه نواب المجلس الوطني التأسيسي بتونس مناقشة توطئة الدستور الجديد، تخيم أحداث المواجهات بين عناصر تحسب على التيار السلفي وقوات الأمن على المشهد العام، وتعيد إلى الواجهة مسألة العنف والتعامل مع الحركات الدينية المتشددة وتداعياتها على المسار الانتقالي.

وقد بددت التطورات الأخيرة في منطقة دوار هيشر غربي العاصمة الهدوء الحذر منذ أحداث السفارة الأميركية يوم 14 سبتمبر/أيلول الماضي.

ورغم تضارب التصريحات، يبقى ثابتاً أن المواجهات الأخيرة أدت إلى مقتل شابين من التيار السلفي وجرح عوني أمن.

وتقول الرواية الرسمية إن سلفيين هاجموا مساء الثلاثاء مركزين للأمن، أحدهما بدوار هيشر والثاني بحي خالد بن الوليد في محافظة منوبة، و"قاموا بالاعتداء بالسيوف والآلات الحادة على عوني أمن"، احتجاجا على اعتقال مشتبه به في الاعتداء على الرائد بالحرس الوطني وسام بن سليمان السبت الماضي. وكان بن سليمان قد أصيب في اشتباكات جرت بين باعة خمور وسلفيين.
رواية أخرى
غير أن إبراهيم المانسي (26 عاما) -وهو أحد شباب التيار السلفي- قدم للجزيرة نت رواية مختلفة لأحداث دوار هيشر، وقال إن خصاما وقع السبت الماضي بين باعة الخمور، وإن الأمن تدخل لفضه، موضحا أن المعتدي على الرائد هو أحد أشهر بائعي الخمور في المنطقة.

وأضاف أنهم تفاجؤوا باتهام التيار السلفي دون تحقيق، معتبرا أن الأمر يهدف إلى ضرب التيار، وأن الاتهام سياسي وله غايات أخرى.

وتابع أن قوات الأمن استخدمت مساء الثلاثاء الرصاص الحي، مما أدى إلى مقتل مؤذن جامع النور وأحد شباب التيار إثر "توجه أهالي وأصدقاء عدد من المقبوض عليهم للاستفسار حول أسباب اعتقال ذويهم".

واتهم المانسي أحزابا معارضة تسعى لبث الفوضى واستدراج الشباب السلفي إلى العنف، كما اتهم الحكومة الحالية بإرضاء الولايات المتحدة عبر محاربة الحركات المتشددة دينيا للبقاء في السلطة.

حمادة قال إن بعض الجماعات
 تشكل سلطة موازية (الجزيرة نت)

صوت العقل
من جهته، لاحظ رئيس الجبهة التونسية للجمعيات الإسلامية مختار الجبالي وجود حساسية كبرى بين السلطة وبعض الجماعات الإسلامية، ورأى أنه يتعين تغليب العقل على الحماس لتجنيب البلاد فتنة طائفية أو حربا أهلية.

ووفقا للجبالي -الذي ألف عددا من الكتب الدينية- فإن تعامل وزارة الداخلية مع الحركات السلفية تغير بعد أحداث السفارة الأميركية "التي كانت مفبركة ومنظمة للإيقاع بالتيار السلفي الجهادي المخترق من بعض العناصر المشبوهة"، حسب تأكيده.

وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي تؤكد فيه وزارة الداخلية التونسية على علوية القانون وسيادته فوق الجميع على اختلاف توجهاتهم الفكرية، وهو ما يؤكده الناطق الرسمي للنقابة الوطنية لقوّات الأمن شكري حمادة.

وقال حمادة للجزيرة نت إن العنف مرفوض مهما كان نوعه ومنفذه، واعتبر أن المتسبب في أحداث دوار هيشر "مارقون على القانون" يمارسون سلطة ليست من حقهم. وأضاف أن هذه المجموعات باتت تشكل سلطة موازية، كما أصبحت تستهدف رجال الأمن، وهو أمر مرفوض ويجب التصدي له.

وقررت النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي والاتحاد الوطني لنقابات قوات الأمن التونسي تنفيذ وقفة احتجاجية اليوم أمام وزارة الداخلية والمقار الأمنية في الولايات الداخلية.

العلاني يرى أن السلطة أدركت
خطورة الوضع (الجزيرة نت)
بداية المواجهة
من جهته يعتبر المؤرخ والباحث في التاريخ السياسي المغاربي بالجامعة التونسية علية العلاني، أن حادثة دوار هيشر تعد "البداية الأولى للمواجهة الحقيقية بين السلطة والسلفيين".

وأشار إلى أن هذا الحدث جاء بعد حادثة السفارة الأميركية التي اعتقل خلالها عدد من أعضاء التيار الذي بات بعض المنتمين له يعتقدون بأنهم أصبحوا "ضحية اضطهاد السلطة"، وهو ما دفعهم لرد الفعل.

ورأى العلاني أن السلفيين لا يتحملون وحدهم نتيجة ما يحدث، بل إن الحكومة لها دور في ذلك، فهي تركت لهم السيطرة على عدد من المساجد، كما أن سلطتها أصبحت غائبة في الأحياء الشعبية.

ورأى العلاني -وهو أيضا باحث في التيارات الإسلامية المغاربية- أن الحكومة استنتجت أن وضعية الهشاشة الأمنية وسيطرة السلفيين على أجزاء من الوطن أصبح أمرا غير مقبول.

وحسب رأيه فإن السلطة أدركت أن الخطر بلغ درجة لا يمكن التغافل عنها، خاصة أن البلاد قادمة على سنة صعبة.

المصدر : الجزيرة