سعد الدين الشاذلي يكرم بعد عام ونصف العام على رحيله (الجزيرة -أرشيف)
أعاد الرئيس المصري محمد مرسي الاعتبار لرئيس أركان حرب القوات المسلحة الراحل الفريق سعد الدين الشاذلي في الفترة ما بين 16 مايو/أيار 1971 وحتى 13 ديسمبر/كانون الأول 1973.
 
ومن المفارقات اللافتة أن الشاذلي الذي يعد واحدا من أبرز القيادات المهمة في تاريخ العسكرية المصرية الحديثة لم يجد تقديرا من سلفي مرسي -وهما عسكريان- سواء الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي أودعه السجن دون محاكمة أو سلفه أنور السادات رغم أنهما قدما من الجيش، كما تجاهله المجلس العسكري في ذكرى حرب أكتوبر الماضية حين كان في السلطة. 
 
قتل السادات عام 1981 وكان الشاذلي منفيا خارج الوطن، وفارق الحياة قبل يوم من تنحي مبارك، 
واختار مرسي احتفالات العام الحالي بالذكرى الـ39 لنصر أكتوبر ليعيد للشاذلي الاعتبار تقديرا لدوره في ذلك النصر باعتباره العقل المدبر للهجوم المصري الناجح على خط بارليف الإسرائيلي الحصين في حرب أكتوبر، واستحداثه أساليب قتالية جديدة.

ثقة
يقول الشاذلي بمذكراته "في عام 1974 وبينما كنت سفيراً لمصر في لندن حضر إلى مكتبي ذات يوم الملحق الحربي المصري وهو يكاد ينهار خجلاً، كان متردداً وهو يحاول أن يتكلم، إلى أن شجعته على الكلام فقال: سيادة الفريق.. إني لا أعرف كيف أبدأ وكم كنت أتمنى ألا أجد نفسي أبدا في هذا الموقف ولكنها الأوامر صدرت إلي، لقد طلب مني أن أسلم إليكم نجمة الشرف التي أنعم عليكم بها رئيس الجمهورية".

ويتابع "استلمت منه الوسام في هدوء وأنا واثق أن مصر وليس السادات سوف تكرمني في يوم من الأيام بعد أن تعرف حقائق وأسرار حرب أكتوبر. ليس التكريم هو أن أمنح وساماً في الخفاء ولكن التكريم هو أن يعلم الشعب بالدور الذي قمت به. سوف يأتي هذا اليوم مهما حاول السادات تأخيره ومهما حاول السادات تزوير التاريخ".

ولقد جاء اليوم الذي تنبأ به الشاذلي بالفعل ولكن بعد 39 عاما من نصر أكتوبر، وبعد حولي عام ونصف العام على رحيله.

عسكري محترف
ولد سعد الدين محمد الحسيني الشاذلي بقرية شبراتنا التابعة لمركز بسيون بمحافظة الغربية في دلتا النيل في الأول من أبريل/نيسان 1922 والتحق بالكلية الحربية في فبراير/شباط 1939 وكان عمره وقتها 17 سنة.

وتخرج برتبة ملازم في يوليو/تموز 1940 وسجل حضورا ملحوظا في العام الثاني من التحاقه بالجيش، خلال الحرب العالمية الثانية، ففي عام 1941 وعندما كانت القوات المصرية والبريطانية تواجه الألمانية بالصحراء الغربية، صدرت الأوامر للمصرية والبريطانية بالانسحاب. لكن الملازم الشاذلي بقى ليدمر المعدات الثقيلة المتبقية في وجه الألمانية المتقدمة.

انتدب الشاذلي للخدمة في الحرس الملكي من 1943 إلى 1949، وشارك في حرب فلسطين عام 1948 ضمن سرية ملكية مرسلة من قبل القصر، وانضم إلى الضباط الأحرار عام 1951.

أسس أول قوات مظلية في مصر عام 1954، وشارك في صد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كما شارك في حرب اليمن كقائد للواء مشاة بين عامي 1965و1966 وشكل مجموعة من القوات الخاصة عام 1967 عرفت فيما بعد بـ"مجموعة الشاذلي".
 
اكتسب سمعة كبيرة في صفوف الجيش، فتم تعيينه قائدًا للقوات الخاصة والصاعقة والمظلات، وفي 16 مايو/أيار 1971، عينه السادات رئيسًا للأركان بالقوات المسلحة متخطيا حوالي أربعين لواء من الألوية الأقدم منه بهذا المنصب. 

المآذن العالية
أطلق الشاذلي على الخطة التي وضعها للهجوم على إسرائيل واقتحام قناة السويس اسم "المآذن العالية" وكانت فلسفتها تقوم على أن لإسرائيل مقتلين، الأول عدم قدرتها على تحمل الخسائر البشرية والثاني إطالة مدة الحرب، فهي في كل الحروب السابقة كانت تعتمد على الحروب الخاطفة.

وفي يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973 وفي الساعة الثانية وخمس دقائق ظهراً بتوقيت القاهرة شن الجيشان المصري والسوري هجوما كاسحا على إسرائيل، بطول الجبهتين، ونفذ الجيش المصري خطة "المآذن العالية" التي وضعها الفريق الشاذلي بنجاح غير متوقع. لكن وقع خلاف بعد ذلك بينه وبين السادات بشأن الثغرة.

منفى 
في 13 ديسمبر/كانون الأول 1973 وفي قمة عمله العسكري بعد حرب أكتوبر تم تسريح الفريق الشاذلي من الجيش بواسطة الرئيس أنور السادات، وتعيينه سفيراً لدى بريطانبا ثم البرتغال.
 
وفي عام 1978 انتقد الشاذلي بشدة معاهدة كامب ديفد وعارضها علانية وترك منصبه وذهب إلى الجزائر لاجئا سياسيا، وهناك كتب مذكراته عن الحرب اتهم فيها السادات باتخاذ قرارات خاطئة رغماً عن جميع النصائح من المحيطين أثناء سير العمليات على الجبهة أدت إلى التسبب في الثغرة وتضليل الشعب بإخفاء حقيقتها وتدمير حائط الصواريخ وحصار الجيش الثالث لمدة فاقت الثلاثة أشهر كانت تصلهم الإمدادات تحت إشراف الجيش الإسرائيلي.
 
كما اتهم في تلك المذكرات الرئيس السادات بالتنازل عن النصر والموافقة على سحب أغلب القوات المصرية إلى غرب القناة في مفاوضات فض الاشتباك الأولى.

وأنهى كتابه ببلاغ للنائب العام يتهم فيه السادات بإساءة استعمال سلطاته، وهو الكتاب الذي أدى إلى محاكمته غيابيا بتهمة إفشاء أسرار عسكرية وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة ووضعت أملاكه تحت الحراسة, كما تم حرمانه من التمثيل القانوني وتجريده من حقوقه السياسية.

عودة

عاد عام 1992م إلى الوطن بعد 14 عاماً قضاها في المنفى بالجزائر، وقبض عليه فور وصوله مطار القاهرة، وجرد من جميع الأوسمة والنياشين، وأجبر على قضاء مدة الحكم عليه بالسجن دون محاكمة رغم أن القانون المصري ينص على أن الأحكام القضائية الصادرة غيابياً لا بد أن تخضع لمحاكمة أخرى.
 
وجهت للفريق للشاذلي تهمتان الأولى نشر كتاب بدون موافقة مسبقة، والثانية إفشاء أسرار عسكرية في كتابه، وأنكر الشاذلي صحة التهمة الأخيرة بشدة، بدعوى أن تلك الأسرار المزعومة كانت أسرارا حكومية وليست عسكرية.
 
وأثناء وجوده بالسجن رفض أن يكتب خطاب استعطاف لمبارك للعفو عنه، اعتزازا بنفسه وبأنه كان قائدا لمبارك بالجيش وأقدم منه وأعلى منه رتبة عسكرية، إلى أن نجح فريق الدفاع عنه في الحصول على حكم قضائي صادر من أعلى محكمة مدنية وينص على أن الإدانة العسكرية السابقة غير قانونية وأن الحكم العسكري الصادر ضده مخالف للدستور. وأمرت المحكمة بالإفراج الفوري عنه، لكن لم ينفذ هذا الحكم وقضى سنة ونصف السنة بالسجن، وخرج بعدها ليعيش بعيدا عن أي ظهور رسمي.

وافته المنية يوم 10 فبراير/شباط 2011 قبل يوم واحد فقط من إعلان تنحي مبارك وسقوط نظامه الذي كان امتداداً لنظام السادات الذي اضطهده، وبمجرد الإعلان عن وفاته امتلأت ميادين مصر بالثوار الذين يطالبون بسقوط مبارك حيث رفعوا صورا للشاذلي مطالبين بتكريمه.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية