المؤرخ اليساري البريطاني إيريك هوبسباوم توفي الاثنين الماضي عن عمر ناهز 95 عاما (الأوروبية-أرشيف)

خالد شمت-الجزيرة نت

أسدلت وفاة المؤرخ اليساري البريطاني إيريك هوبسباوم يوم الاثنين الماضي عن عمر ناهز 95 عاما، الستار على مسيرة حافلة لأكاديمي ومفكر ماركسي قدم إسهامات بارزة في نقد النظام الرأسمالي وتأطير النظرية الماركسية والدفاع عن فكرة التطور التاريخي وتقدم البشرية.

فقد خاصم أهل اليسار قبل أهل اليمين، لكن مؤلفاته ظلت في قوائم الكتب الأكثر رواجا، لما تمتاز به من الإحاطة والدقة والسعي الدؤوب لاستقراء الأحداث.

وهو بهذا المعنى عصي على التصنيف التقليدي، فهو يهودي ضد الصهيونية، وماركسي ضد الستالينية. وقد ناصر قضايا العرب خصوصا فيما يتعلق بالثورات التي أطاحت بالدكتاتوريات العربية في تونس ومصر وليبيا.

وفي واحدة من المقابلات الصحفية وصف التحركات الجماهيرية في بلاد العرب ضد الطغاة بأنها تشابه الثورات التي حدثت في أوروبا منتصف القرن التاسع عشر وقادت إلى تغيير معالم القارة الأوروبية ثم العالم فيما بعد.

غلاف كتاب "كيف نغير العالم"

التزام وانتقاد
ينتقد هوبسباوم بسبب التزامه الفكري والسياسي، فقد ظل على وفائه لأفكاره الماركسية رغم انهيار الشيوعية، ومع ذلك يوصف بأنه واحد من أهم المؤرخين المعاصرين على المستوى العالمي.

وبين مولده في 9 يونيو/حزيران 1917 ورحيله مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2012 قضي هوبسباوم الشطر الأكبر من حياته في البحث الأكاديمي والتنظير الفكري والتحليل التاريخي، مستندا -بحكم مرجعيته الفكرية- على التفسير المادي للتاريخ، وترك سلسلة من الكتب والمراجع والدراسات إضافة لمحاضراته بعدد من الجامعات الأوروبية والأميركية.

ويعود أصل هوبسباوم إلى عائلة يهودية وفدت إلى بريطانيا من بولندا في القرن التاسع عشر، وتنقل المؤرخ الراحل بداية حياته عبر محطات جغرافية إذ جاءت ولادته في القنصلية البريطانية بمدينة الإسكندرية بسلطنة مصر حينذاك، لأب موظف بسلطة الاستعمار البريطاني هو بيرسي هوبسباوم وأم هي نيلي جرين ذات الأصل النمساوي.

شيوعي صغير
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، رحل الأب بيرسي والأم نيلى إلى العاصمة النمساوية فيينا بصحبة طفلهما إيريك الذي تلقى تعليمه الأولي هناك، لكنه ما لبث أن تيتم بعد وفاة والده بالسكتة القلبية عام 1929 وأمه بعد عامين بالسل الرئوي، مما دفعه بعد ذلك للانتقال مع أخته نانسي للعيش مع عم لهما في برلين.

ولعبت إقامة إيريك هوبسباوم في العاصمة الألمانية دورا غير مجرى حياته حيث أصبح وهو تلميذ عضوا في منظمة التلاميذ الاشتراكيين وهي منظمة سرية تابعة للحزب الشيوعي الألماني، واقتنع خلال مشاركته بمعسكر مدرسي لهذه المنظمة بالفكر الماركسي.

وبعد صعود النازيين إلى حكم ألمانيا، رحل إيريك هوبسباوم مع أخته وعمه إلى بريطانيا التي انضم فيها عام 1936 إلى الحزب الشيوعي، ودرس التاريخ بجامعة كامبريدج، وتحول لاحقا إلى منظر للأجنحة الشيوعية الأوروبية.

"عصر الرأسمالية" ناقش تاريخ أوروبا في المرحلة بين  1848- 1875 

وفي أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية تقدم هوبسباوم للالتحاق بالاستخبارات العسكرية البريطانية لكن طلبه قوبل بالرفض، مما حدا به لاستكمال دراسته العليا في كامبريدح التي حصل منها عام 1947 على الدكتوراه في التاريخ عن الجمعية الفابية.

موقف ومؤلفات
وبعد غزو الاتحاد السوفياتي السابق للمجر عام 1956 انشق العديد من المؤرخين عن الحزب الشيوعي البريطاني بسبب تأييد قيادة الحزب لهذا الغزو، غير أن هوبسباوم خالف زملاءه وفضل البقاء بالحزب ووجه انتقادات لتأييد الحزب للغزو، وطالب بانسحاب القوات السوفياتية من المجر، وقد كلفه هذا الموقف منع كتبه في الاتحاد السوفياتي.

وفيما بعد مال إيريك هوبسباوم لتغيير مواقفه الاشتراكية المتشددة وواصل انتقاداته لسياسة الحزب الشيوعي البريطاني وللنموذج الاشتراكي المطبق في الاتحاد السوفياتي، وأيد استقلال الأحزاب الشيوعية الأوروبية عن موسكو.

وخلال مسيرته الأكاديمية والفكرية عمل المؤرخ اليساري البريطاني الراحل محاضرا بعدد من أبرز الجامعات البريطانية والأوروبية والأميركية. وأصدر عددا كبيرا من الكتب والمراجع والدراسات أهمها موسوعته ذات الأجزاء الثلاثة: (عصر الثورة) ورصد فيه الثورات الأوروبية بين عامي 1789 و1848، و(عصر الرأسمالية) وتناول فيه مرحلة الازدهار الرأسمالي والثقافي في أوروبا بين عامي 1848 و1875، و(عصر الاستعمار) وتعرض فيه للحقبة الاستعمارية الأوروبية بين عامي 1875 و1914.

عصر التطرفات
ومن أشهر مؤلفات هذا المؤرخ كتاب "عصر التطرفات: القرن العشرون الوجيز 1914 - 1991" الذي صدر سنة 1994، ويعد أهم كتبه، وهو مترجم إلى لغات عديدة من بينها العربية، وقسمه مؤلفه لثلاثة أجزاء لخص فيها تاريخ أوروبا في القرن العشرين منذ بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914 إلى انهيار الاتحاد السوفياتي السابق عام 1991.

وفي عام 2011 أصدر هوبسباوم كتابه الأخير الذي حلل فيه النظرية الماركسية بعنوان "كيف تغير العالم.. أساطير ماركس والماركسية".

صحيفة غارديان البريطانية ذكرت أن الكتاب الأخير للمؤلف الراحل سيصدر خلال الربيع المقبل

تكريم ونهاية
وحصل المؤرخ اليساري البريطاني الراحل على عدد كبير من النياشين والأوسمة ودرجات الدكتوراه الفخرية من بريطانيا ودول أوروبية ومن الولايات المتحدة، من بينها درجتا الدكتوراه الفخرية من جامعتي فيينا وبراغ والميدالية الذهبية والمواطنة الفخرية للعاصمة النمساوية وجائزة معرض لايبزيغ الألماني الدولي للكتاب.

كما كرمته الدولة البريطانية من قبل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، لكن ذلك لم يمنع المؤرخ اليساري من أن يشن هجوما كاسحا على بلير وانتقده بسبب دوره في إشعال الحرب الأميركية البريطانية على العراق عام 2003.

وجاءت وفاة إيريك هوبسباوم يوم الاثنين الماضي متأثرا بأمراض الشيخوخة وإصابته بالتهاب رئوي حاد.

وذكرت صحيفة غارديان البريطانية أن الكتاب الأخير للمؤلف الراحل سيصدر خلال الربيع المقبل، حيث كان هوبسباوم قد سلم النسخة النهائية منه إلى الناشر قبل ثلاثة أشهر من تاريخ الوفاة.

المصدر : الجزيرة