حلبيون يتجمعون أمام أحد المخابز للحصول على عشرة أرغفة في اليوم الواحد للعائلة (الجزيرة)

محمد النجار-حلب

للوهلة الأولى لا يتخيل القادم إلى حلب لتوه أن هناك مدنيين يعيشون في مدينة تسمع أصوات الانفجارات والقصف فيها من كل مكان، ولا يمكن أن تشاهد سماؤها بدون أن تلاحظ طائرات الميغ تجوبها في أي وقت خلال النهار أو الليل.

لكن مع الوصول إلى مدخل حلب من جهة المدينة الصناعية في حي الشيخ نجار تبدو حركة السيارات كثيفة مقارنة بالشوارع الضيقة نتيجة ما خلفه القصف من دمار في مبان سقطت على الشوارع أو ما وضعه الناشطون من حواجز ترابية لمنع قوات النظام من التقدم في الأحياء التي يصفونها بـ"الأحياء المحررة".

وبينما تنعدم الحياة تماما في أحياء وسط المدينة التي تشهد أشرس المعارك وصولا لساحة سعد الله الجابري -التي كانت قبل شهرين فقط ساحة لأنصار النظام ومسرحا لمسيراتهم المؤيدة لنظام بشار الأسد- تجد أن الحياة تعود تدريجيا كلما اتجهت في الاتجاهات الأربعة بعيدا عن ساحة المعركة الأساسية وإن كانت الطائرات والدبابات كما يقول ناشطون توزع قصفها "بشكل عادل" على الأحياء التي تصنف بأنها أكثر أمنا.

بالقرب من مخبز بحي الشعار كانت السيدة أم مالك تشق طريقها وسط الدمار في الشارع وهي تحمل عددا من أرغفة الخبز، توقفت على مضض للرد على أسئلتنا

في حي الشعار -الذي يعتبر واحدا من أقرب الأحياء إلى ساحة المواجهات-  كانت "أم حسين" تقف مع ابنها الصغير على الرصيف المقابل لمستشفى دار الشفاء، بعد تردد أجابت على أسئلتنا عن سبب وجودها، فقالت إنها حضرت من طريق الباب لرغبتها بمعالجة ابنها الذي يعاني مغصا منذ أيام.

أكدت السيدة الخمسينية التي بدى وجهها مرهقا للجزيرة نت أن الكثير من الناس في منطقة طريق الباب غادروا منازلهم بسبب القصف المتواصل، وتابعت "اليوم صباحا قصفت الطائرات المنطقة مرتين".

بالقرب من مخبز بحي الشعار كانت السيدة أم مالك تشق طريقها وسط الدمار في الشارع وهي تحمل عددا من أرغفة الخبز، توقفت على مضض للرد على أسئلتنا فيما كان صوت الانفجارات قادما من حي الصاخور القريب.

قصف والحمد الله
قالت ردا على سؤال عن أحوال الناس "مثل ما أنت شايف دمار وقصف والحمد لله"، وعن الخبز الذي تحمله قالت إن المخبز يمنح العائلة عشرة أرغفة في اليوم وهي بالكاد تكفي لعائلتها وأطفالها.

اشتكت أم مالك من نقص المعونات والقصف المتواصل الذي قالت إنه دفع بمعظم السكان للمغادرة، وتابعت "في العمارة التي أسكنها كان يوجد 24 عائلة، اليوم نحن ثلاث عائلات فقط ولا أعرف أين سأذهب بأطفالي إن استمرت الأمور على هذا الحال؟".

وفي حي الشعار أيضا توقفنا مع "أبو مصطفى" -وهو كما قال سوري من أصول تركمانية- تحدث عن وفاة سبعة من جيرانه مساء الأربعاء عندما سقطت عليهم قذيفة هاون. 

أبو مصطفى قال إنه يقطن في مساكن الشباب وإنه لن يغادر حلب، وأضاف "أنا ولدت هنا وإما أن أعيش أو أموت هنا"، اشتكى أبو مصطفى من غياب العمل لكنه قال إن والدته التركية والموجودة حاليا في تركيا أرسلت له ولأشقائه الثلاثة مبلغ مائة ألف ليرة سورية أعانتهم على تدبر أمورهم، لكنه لم يخف قلقه من دخول الشتاء على السكان وسط انقطاع الكهرباء والإمدادات عن حلب.

في أحياء الفردوس والسكري بدت الحياة أكثر استقرارا وإن كانت الأحياء ليلا تبدو بلا سكان.
على باب أحد المساجد في حي السكري كانت تقف مجموعة من السيدات بانتظار شيخ المسجد المسؤول عن توزيع معونات إغاثية، وقالت إحداهن إنها تحصل على هذه المعونة بشكل أسبوعي لكنها تريد حصة ثانية لأن بيت أختها نزحوا عندهم من طريق الباب.

في حي السكري أيضا كان أبو علاء في دكانه الذي يكاد يخلو من البضائع إلا القليل، تحدث عن هجرة أكثر من نصف سكان حلب عن المدينة كما قال، واشتكى من قلة البضائع حيث لا يوجد عنده إلا القليل مما يحتاجه الناس، وفق قوله.

رفع اليد

دمار في المباني بأحياء حلب  (الجزيرة)
المشهد المتكرر في حلب هو مشاهدة عائلات تحمل أكياسا فيها بضع من امتعتها وتشق طريقها وسط الدمار إلى وجهات مجهولة، وغالبا ما يقابلون أسئلة الإعلاميين برفع اليد بعدم الرغبة بالحديث.
 
ما يلفت الأنظار أن الباقين في حلب تعودوا على ما يبدو على أصوات القصف، ففي حي مساكن الشباب أيضا المكتظ بالسكان والنازحين من الأحياء الأخرى توقف أربعة أطفال عن لعب كرة القدم قليلا للإشارة إلى طائرة ميغ في السماء، كانوا يتبادلون الرهان عن المكان الذي ستقصف فيه، لكنهم واصلوا لهوهم بالكرة بعد أن ابتعدت قليلا.

المصدر : الجزيرة