أحد ميادين العريش (الجزيرة نت)

أنس زكي - العريش

  تبدو الرحلة إلى سيناء خصوصا عندما تتواكب مع ذكرى نصر السادس من أكتوبر، وفي ظل عهد جديد تعيشه مصر بأسرها، مثيرة للكثير من الشجون، كيف لا وسيناء هي ذلك الجزء الغالي الذي فقدته مصر في نكسة يونيو/حزيران 1967، قبل أن تنجح في استعادته بفضل الانتصار في 1973 الذي كان سببا مباشرا في تحرير جزء من الأرض عبر الحرب، ثم سببا غير مباشر في تحرير الجزء الآخر عن طريق مفاوضات السلام.

وعلى مدى سنوات طوال كانت سيناء حاضرة في قلوب المصريين، وبارزة في احتفالاتهم وأغنياتهم خصوصا في ذكرى النصر والتحرير، لكنها وللأسف كانت غائبة عن واقعهم وبعيدة عن اهتمامهم الحقيقي، فبدت في الواقع كأنها دولة جارة أكثر من كونها جزءا عزيزا من الوطن.

عندما ركبت الحافلة المتجهة من القاهرة إلى العريش عاصمة شمال سيناء للوقوف على حالها في العهد الجديد، كان في ذهني ما لاقاه أهلها من تهميش وتجاهل طوال العقود الثلاثة لعهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وعزمت على أن أبدأ بتقصي حقيقة الأمر فور وصولي إلى العريش، لكني اكتشفت أن مهمتي قد بدأت فعلا بمجرد الانطلاق من القاهرة، حيث جاورني في الحافلة اثنان من أبناء المحافظة.

بادرتهما بالحديث، فبادراني بمفاجآت كان أولها تعبير "أبناء الوادي" الذي تكرر منهما كلما جاءا على ذكر المصريين من غير أهل سيناء، وعندما أظهرت استغرابي لم يترددا في التأكيد على أن التعبير هو إحدى الدلالات التي تشير إلى الحاجز النفسي الذي يشعر السيناويون بأنه بات يفصلهم عن بني وطنهم بفعل سنوات الإهمال والتهميش والظلم في عهد مبارك.

 شكوك في الإعلام
الحديث مع الرجلين كان صعبا، لارتيابهما في كل ما يأتي من القاهرة خصوصا إذا كان ينتمي إلى الإعلام الذي يرون أنه لم يهتم يوما بمشكلاتهم سواء بمحاولة علاجها أو حتى بمجرد عرضها بشكل حقيقي وأمين، بل إنه كثيرا ما ردد عنهم ما لا يرونه حقا ولا صدقا، وحتى عندما يهتم بسيناء يكون ذلك في مناسبات قليلة ومن زوايا ليس من بينها أبدا ما يعانيه أهلها أو ما يأملونه.

حاولت ترطيب الأجواء بصنع علاقة شخصية مع الرجلين عبر التعرف عليهما، فكانت المفاجأة أن كلا منهما رفض مجرد ذكر اسمه أو عمله، قبل أن يتغير درجة عندما عرفا أني أعمل للجزيرة وليس لوسيلة إعلام محلية، ثم درجة أخرى عندما أخبرتهما بأن جذوري ضاربة في ريف مصر الذي عانى هو الآخر كثيرا في سنوات حكم مبارك.

شعارات بالعريش تساند مشروع الرئيس محمد مرسي في التغيير (الجزيرة نت)
ما إن عبرت الحافلة كوبري السلام الذي يمر فوق قناة السويس ويمثل مع نفق الشهيد أحمد حمدي وسيلتي الربط البري الوحيدتين بين الوادي وسيناء، حتى بادرني هاني الذي عرفت أنه اضطر للذهاب إلى القاهرة من أجل علاج لا يتيسر في سيناء، بالإشارة إلى أول نقطة تفتيش للشرطة وقال هنا كانت تبدأ معاناتنا مع الأمن الذي كان يعامل أهل سيناء بطريقة عنصرية فيتعرضون للتفتيش المهين في نقاط متتالية على طول الطريق.

ويضيف هاني "كان مألوفا لدينا أن يصعد أفراد الشرطة إلى الحافلة فيكتفون بنظرة سريعة إلى إثبات الشخصية لدى من يبدو أنه من أهل الوادي، وفي المقابل يتعاملون بارتياب وقسوة مع من يبدو أنه من أهل سيناء، أو من يعثرون في وجهه على لحية قد توحي بأنه من المنتمين لأي تيارات إسلامية أو حتى من المتدينين بشكل عادي".

مشروع لم يكتمل
وبدا على هاني الانفعال وهو يؤكد أن ما يحكيه هو ما شاهده بنفسه مئات المرات وما تعرض له في بعض الأحيان، وبعد هدوء لم يدم طويلا، عاد الغضب ليتملك الرجل وهو يشير من خلف زجاج الحافلة التي كانت تسير في ظلام دامس، قائلا ما نمر بجانبه منذ فترة هو "ترعة السلام" التي قيل إنها ستنقل المياه إلى سيناء لتساعد في زراعة أراضيها الخصبة، لكن الحقيقة أن حسني مبارك وأد المشروع في مهده حيث توقف العمل في شق هذه الترعة منذ سنوات طويلة ليقتصر على كيلومترات قليلة إلى الشرق من قناة السويس.

وكأن السيناوي الآخر الذي كان رافضا للحديث أشفق على هاني من الانفعال فالتقط طرف الحديث، رغم إصراره على عدم الكشف عن اسمه معتبرا أن الهم السيناوي عام ولا يتعلق بشخصه فقط، وقال إن الحديث عن أن سيناء تعرضت للتهميش والظلم والإهمال يبدو أقل من الواقع الذي يصر على وصفه بأن شمال سيناء في عهد مبارك لم يكن على خريطة مصر من الأساس.

وسارع هاني ليصدق كلام زميل الرحلة، وليؤكد أن الأمر لا يحتاج لدليل، ويكفي أن المياه التي هي شريان الحياة لا تصل إلى أرض سيناء من أجل الزراعة بل ولا تصل إلى أهلها من أجل الشرب إلا يوما أو يومين كل أسبوع فضلا عن تلوثها في أغلب الأحيان، كما أن سيناء تكاد تخلو من المصانع ومن الجامعات والمعاهد العلمية، موضحا أنه يتحدث عن محافظة شمال سيناء التي لا يتذكر أن حسني مبارك زارها إلا مرة واحدة، في حين أنه كان مقيما بشكل شبه دائم في جنوب سيناء حيث منتجع شرم الشيخ الذي اتخذه مستقرا خصوصا في السنوات الأخيرة من حكمه.

عاد الرجل إلى الانفعال مجددا، لكنه هذه المرة لم ينتظر حتى أحاول تهدئته، وتنهد بعمق، قبل أن يؤكد أن ما عانته محافظة شمال سيناء في ظل نظام مبارك، هو ما دفع أبناءها للتصويت بكثافة للرئيس محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية الماضية، خاصة أنه حرص على زيارة المحافظة وقدم وعودا بإنصافها وتعويضها عن سنوات الظلم والتهميش.

أوشكنا على الوصول إلى العريش عاصمة شمال سيناء، فسألت هاني عما إذا كان قد لاحظ تغييرا في الشهور القليلة التي انقضت من حكم محمد مرسي، فقال إنه لم يلمس شيئا يذكر باستثناء التحسن في معاملة الشرطة لأهل سيناء، لكنه أضاف أنه يستشف من ذلك أن التغيير قادم وإن احتاج لبعض الوقت، خاتما بأنه يشعر بالكثير من التفاؤل والأمل في أن رئيس مصر الثورة لن يحنث بما قدمه من وعود لأهل سيناء.
 

المصدر : الجزيرة