الأسباب التي أدت إلى أحداث أكتوبر 1988 لا تزال قائمة في الجزائر (الجزيرة-أرشيف)
تمر اليوم 24 عاما على انتفاضة 5 أكتوبر/تشرين الأول 1988 التي خرج الجزائريون فيها لأول مرة إلى الشوارع مطالبين "بالحرية والديمقراطية"، غير أنهم ما زالوا يعيشون أوضاعا تقترب من تلك التي أدت إلى انفجار الأحداث، فهل يعيد التاريخ نفسه؟

استبقت بعض الصفحات الجزائرية المعارضة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ذكرى هذه الأحداث بالدعوة إلى التظاهر سلميا الجمعة في جميع أنحاء البلاد، تخليدا لذكرى "شهداء الحرية" الذين خرجوا عام 1988 ضد نظام الحزب الواحد والدكتاتورية.

وناشدت هذه الصفحات الشعب الجزائري الخروج إلى الشارع "لاسترجاع ثورته التي سرقت منه منذ أكثر من 24 عاما، ولم يجن ثمارها إلا بارونات الموانئ وتجار السياسة".

ويقول أحد الشبان على صفحة "شباب 5 أكتوبر 1988"، إن الأسباب التي دفعت شباب الجزائر عام 1988 للقيام بانتفاضته ما زالت قائمة، بل إن الأوضاع أصبحت أكثر سوءا.

غير أن نداءات فيسبوك لم تلق أي صدى في واقع الشارع الجزائري، ففي جولة قامت بها صحيفة دويتشه فيله الألمانية بأحياء العاصمة وأزقتها، لم تلحظ أي شيء يثير الانتباه والشك، بما يوحي أن الجمعة الأولى في شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري ستكون استثنائية هذه المرة.

وقال داود (27 عاما) الذي كان في حي "باب الواد" مهد أحداث الخامس من أكتوبر، أنه لم يسمع عن أي مظاهرة في هذا اليوم، وأنه لن يشارك في أي تحرك مهما تكن الجهة التي تدعو إليه. وأضاف "رغم أنني عاطل عن العمل وغير متزوج ولا أملك سكنا، لكني أقول: الحمد لله، أعيش في أمان، وهو ما افتقدناه كثيرا في العشرية السوداء التي كانت نتيجة لأحداث أكتوبر".

أما عمي السعيد (56 عاما) وهو صاحب مقهى في شارع بلوزداد وسط العاصمة، فيرى أن الدولة تناست شهداء أكتوبر، وكانت تصفهم بأبشع الصفات، وجاءت هذه المرة تتغنى بهم وبما قدموه للوطن، وذلك فقط بعدما اشتد عليها الخناق والضغوطات من كل جانب.

عبد العالي رزاقي يرى أن أحداث أكتوبر
حُمّلت فوق طاقتها (الجزيرة نت)

جمود سياسي
الكثير من المراقبين الجزائريين ينتقدون دعوات الفيسبوك إلى التظاهر، ويعتبرونها إحدى إفرازات الجمود السياسي والانغلاق الإعلامي الذي صارت إليه الجزائر، فعضو الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان ياسين زايد تحدث لدويتشه فيله قبل ساعات من اعتقاله من طرف قوات الأمن وسجنه، وأكد أنه لا يؤمن بالنضال السياسي من وراء شاشة الحاسوب، مؤكدا أن النضال الحقيقي في الميدان، وفي توعية الناس بحقوقهم المهضومة من طرف النظام القائم.

ونصح الناشط الحقوقي المواطنين بعدم الإنصات إلى مثل هذه الدعوات على شبكة التواصل الاجتماعي لأنها "مُسيرة من طرف أشخاص وهيئات لا تريد الخير للجزائر"، واعتبر أن أي محاولة لاستنساخ التجربة التونسية أو المصرية في الجزائر دربٌ من الانتحار، "لأننا لا نملك مجتمعا مدنيا حقيقيا قادرا على تأطير هذه الاحتجاجات بطريقة سلمية لفترة زمنية طويلة".

وفي قراءة لتطورات أوضاع البلاد اعتبر زايد "أن فقاعات بركان التغيير في الجزائر بدأت تظهر، وأن الشعب سيغير النظام حين تحين فرصة ذلك"، داعيا إلى عدم الانسياق وراء العنف لأن "هذا النظام تربى على العنف كبيئة مناسبة للعيش والاستمرار".

تأويل للأحداث
من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر عبد العالي رزاقي، أن أحداث أكتوبر "حُمّلت فوق طاقتها، لأن هدفها كان إسقاط بعض رموز الحزب الحاكم وليس النظام، والذين تظاهروا كانوا بأمر من بعض أجنحة السلطة من أجل تجديد قناع الحكم لمرحلة تاريخية أخرى تتسم بالتعددية السياسية الشكلية، بعد إفلاس زمن الأحادية".

وفي تعليقه على تصريحات بعض المسؤولين مؤخرا بأن ما حدث يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول 1988 هو ربيع الجزائر، يؤكد رزاقي أن هدف الخطاب تضليل الرأي العام الذي فُتنت بعض قطاعاته بما حدث في دول الربيع العربي".

وبرأي رزاقي فإن الثورة في الجزائر لن تصنعها دعوات الشبكات الاجتماعية، وإن الوقت لم يحن بعد لذلك رغم حالة الاحتقان والشعور بالظلم التي يعيشها قطاع واسع من المجتمع.

ويرى مراقبون أن النظام في الجزائر ربما يكون قد أمسك بكل "خيوط اللعبة" بعدما أفرغ الساحة السياسية والإعلامية من محتواها، وجعلها مجرد دمى تتحرك بأوامره، معتقدين بأن "نداءات الانتفاضة على فيسبوك جزء من اللعبة ذاتها التي تمرس فيها النظام من أجل إجهاض أي محاولة حقيقية للانتفاضة ضده والمطالبة بالديمقراطية والحريات ومحاسبة الفاسدين واللصوص الذين استنزفوا خيرات البلاد".

المصدر : دويتشه فيلله