البرلمان المحلي في كتالونيا صوت قبل نحو شهر على قرار يتوقع نظيم استفتاء حول مصير الإقليم (الأوروبية)
خالد شمت-برلين

صبت أزمة اليورو والديون السيادية المتفاقمة زيتا على نيران تطلعات انفصالية ظلت لعقود كامنة تحت الرماد في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. وخلق انتشار دعوات الاستقلال في بلجيكا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا وضعا من شأنه التهديد بانفراط عقد الوحدة الأوروبية.

ومثل رفض دفع المزيد من الأموال للمركز أو تحمل تداعيات إشرافه على الإفلاس السبب الرئيسي وراء تزايد دعوات الانفصال عن هذا المركز بدول أوروبية تعتصرها الأزمة.

فقد أصبح الفالاندر الأثرياء بشمال بلجيكا غير راغبين بمواصلة تقاسم الأعباء المالية مع مواطنيهم الفقراء سكان إقليم الوالون الجنوبي، وفي إسبانيا رفض إقليما كتالونيا (شمال شرق) والباسك (شمال) عصب الصناعة والسياحة في البلاد استمرار الخضوع لسيطرة مدريد الاقتصادية.

وتأخذ العلاقة في إسبانيا بين الأزمة المالية والتطلعات الانفصالية طابعا طرديا فزيادة حدة الأولى يمثل غذاء للثانية، وهو ما دفع مراقبين للقول بأن بقاء البلد بخريطته الجغرافية الراهنة مرتبط بتجاوزه لأزمة ديونه.

ففي إقليم كتالونيا يبرز التيار الاستقلالي بقوة حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته حكومة الإقليم تأييد 74% من السكان للانفصال عن إسبانيا وإقامة دولة خاصة بهم، وأصدرت أربعة أحزاب ممثلة في البرلمان الكتالوني إعلانا يريد حق مواطنيهم في تقرير المصير، وتبدو الانتخابات المحلية المبكرة يوم الـ25 من الشهر القادم استفتاء على الانفصال والاستقلال.

ويسود إقليم الباسك تيار انفصالي مماثل لما هو موجود في كتالونيا، وتخوض منظمة إيتا -المصنفة من مدريد كجماعة إرهابية- كفاحا مستمرا منذ نصف قرن من أجل إقامة دولة باسكية.

وفي الأندلس الفقير الذي يعد أكثر أقاليم البلاد سكانا وأسخنها مناخا لا تبرز التطلعات الانفصالية بسبب الحاجة لدعم مدريد، غير أن قطاعا متزايدا من السكان أصبحوا حريصين على التأكيد على أن اختلافهم الثقافي عن الإسبان عائد لعصر الخلافة الإسلامية الأندلسية التي دامت زهاء ثمانية قرون.

جانب من ندوة حول حق تقرير المصير بالبرلمان الأوروبي (الجزيرة نت)

بلجيكا وإيطاليا
وفي بلجيكا سارت النزعة الانفصالية بمنحنى صاعد وهابط منذ عام 1850 وتبلورت حاليا بقوة بسبب تداعيات الأزمة الاقتصادية وإجراءات التقشف ورفض إقليم الفلمنك الغني والناطق بالهولندية تحمل أي مسؤولية مالية تجاه إقليم الوالون الفقير الناطق بالفرنسية.

وفي إيطاليا لعبت تداعيات الأزمة الاقتصادية دورا مؤثرا بانتشار التيارات الانفصالية بأكثر من منطقة، وأصبح سكان إقليم صقلية (جنوب) الموشك على الإفلاس، مقتنعين أن انتشار الفقر والفساد والجرائم المنظمة للمافيا سيقود إقليمهم لحرب أهلية لن يمكن تجنبها إلا بالاستقلال عن روما.

وفي الشمال تتطلع مقاطعة التريول الغنية الناطقة بالألمانية للانفصال وإنهاء "الهيمنة الخارجية الإيطالية" وتلقى هذه النزعة الاستقلالية تأييدا من السكان وسط ارتفاع أصوات تطالب بشراء المقاطعة لحريتها بسدادها مبلغ 15 مليار يورو تمثل نصيبها في ديون إيطاليا المناهزة لتريليوني يورو.

وفي أسكتلندا من المتوقع أن ينتهي ارتباط استمر ثلاثمائة عام بين هذه المقاطعة والمملكة المتحدة بعد اتفاق رئيس الوزراء الأسكتلندي أليكس سالموند على إجراء استفتاء عام 2014 لتخيير الأسكتلنديين بين استمرار البقاء مع بريطانيا أو الانفصال عنها.

كورسيكا وبافاريا
وإضافة لنزعات الانفصال بإسبانيا وبلجيكا وإيطاليا تسعى كورسيكا منذ عقود للاستقلال عن فرنسا، وتصاعدت أصوات انفصالية بجمهوريتي التشيك وسلوفاكيا الخارجتين أصلا من رحم جمهورية تشيكوسلوفاكيا السابقة.

وفي ألمانيا أصدر فالفريد شارناغل القيادي بالحزب المسيحي الاجتماعي الحاكم بولاية بافاريا الجنوبية كتابا بعنوان "بافاريا تستطيع الحياة بمفردها" تطرق فيه لموضوع قديم هو استقلال ولايته الغنية. وتزامن صدور هذا الكتاب مع رفض بافاريا التي تطلق على نفسها اسم ولاية بافاريا الحرة استمرار تمويلها لعجز ميزانيات ولايات ألمانية أخرى.

وعلى وجه العموم لا يتطلب انفصال إقليم أوروبي عن دولته سوى أغلبية تعبر عن نفسها باستفتاء شعبي، ويلزم الانفصال الدول المعنية به الموازنة بين عدم تعريض وحدة أراضيها ونظامها للخطر والإبقاء على الأقاليم المتطلعة للاستقلال قسرا، أو ترك هذه الأقاليم تنفصل بسلام.

وأمام انتشار هذه التيارات الاستقلالية يواجه الاتحاد الأوروبي الآن مشكلة لم يهيئ نفسه لها بعد أن غض طرفه عنها لعقود، ولا يملك الاتحاد وسيلة محددة للتعامل مع انفصال إقليم عن دولة عضو فيه بسبب خلو كافة المواثيق الأوروبية من أي بند يتعلق بالانفصال.

المصدر : الجزيرة